الموقع الرسمي 

 |  الرئيسة سياسة |  روابط | نشيد قومي | أرشيف | إتصل بنا |  

أهداف | بيانات  لغة  تاريخ  | ثقافة  |  صور |

Klicka här

كلمات و أقوال في  الفقيد الملفونو نعوم فائق (1868-1930)

الصحافة الآرامَّية

 

و مبادئها السّامية

 بقلم الأديب الملفونو نعوم فائق

مقدمة الإقتتاحيَّة *

هذه الإفتتاحيَّة كانت للعدد الأول من جريدة "الإتّحاد" بقلم رئيس تحريرها الملفونو نعوم فائق، التي أصدرتها "الجمعيّة الوطنيّة الآثوريَّة – الكلدانيَّة" عام 1921  في الولايات المتحدة الأمريكية، بهدف دعوة جميع الطوائف من أبناء الأمّة الآراميَّة لتحقيق الوحدة الآراميَّة الشاملة.  و إن مجلّة "آرام" لتفتخر بأنها ما زالت تسير منذ صدورها، كما وعدت، على خطى روّاد القومية الآراميّة الأوائل، الذين برزوا في نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين. و من أبرزهم المفكّر القومي و الصحافي اللامع الأديب نعوم فائق، إضافة إلى حنا سرّي جقي، و بشَّار بوريجي، و سعيد بشارة، و كبرئيل أفندي بوياجي، و غيرهم.

   و تقديراً لجهود المؤلف نعوم فائق و دوره البارز في الدعوة الصارخة إلى لمّ شمل الآراميين كافة، مشارقة و مغاربة، و اتّحادهم، و لمناسبة مرور 130 عاماً على مولده، ننشر الآن مقاله الإفتتاحي هذا، لأهمّيته القوميّة البالغة، كافتتاحية جديدة لهذا العدد من مجلّة "آرام" و ذلك بنصّه و عنوانه كاملين، من دون زيادة أو نقصان أو تغيير، وذلك كما ورد حرفيّاً في العدد الأول من جريدة "الإتحاد"، و أيضاً في كتاب "ذكرى و تخليد نعوم فائق" لمؤلفه حنا جقي (ص 63 – 66، ط. دمشق، عام 1936).

   و بهذه المناسبة المجيدة، يسرّ مجلّة "آرام" أن تجدّد اليوم بالذات، ذلك العهد و نفس الدعوة و تُهيب بكل الآراميين، أينما كانوا، و على اختلاف فرقهم و طوائفهم، و البالغ تعدادهم حاليّاً (13 – 15) مليون نسمة، إلى التكاتف و الإتّحاد و العمل معاً للبحث عن مستقبل مشرّف لأبناء الأمّة الآراميّة.

قلّما يوجد صحافة في عالم الأدب و السياسة لا تكون غايتها شريفة. و قد خُلقت الصّحافة  لتكون في كلّ أمّة مرشدةً و مُهذّبة و هاديةً الناس إلى سبيل الرّشاد و طريق الكمال. فالجريدة التي يكون مبدأها الإرشاد إلى الفضائل الأخلاقية و التربية القوميّة و الآداب الإنسانية و تُُعلِّم الخَلق الوئام و الإتحاد و تكون منزَّهة عن إلقاء الشَّحناء و البغضاء في قلوب البشر و تلقٍّن الشباب حبّ وطنهم و جنسيتهم و لسانهم، هي الجريدة الراقية و المُصلحة و الجالبة ثقة الشعب و مناصرته.

   و بناءً على ما تقدّم قد أُنشِئت هذه الجريدة على القواعد المارّ ذِكرُها، لترشد أبناء الأُمَّة الآراميَّة إلى ما فيه الخير و الصَّلاح، و تهديهم إلى سبيل الفلاح، و تبثّ فيهم الروح الوطنيَّة و حبَّ اللسان على المبادئ الحرّة و التهذيبِيَّة، و هي أول جريدة تُنشر باللغة العربية للآرامييّن على اختلاف مذاهبهم في المهجر.  و لقد طالما رغب إلينا أبناء أمتنا الآراميّة أن ننشر لهم جريدة عربية تُعرِب عن أحوالهم و تُطلِعهم على أخبارهم و آدابهم و تواريخهم و تكون لسان حالهم في المهجر و الوطن و كنّا نتمنَّى أن نحقق أمانيهم لو سمحت لنا الظروف أن نفعل فوق ما كنّا نفعله من نشر جريدة (كرشونية) سريانية عربية و تركية التي أسسناها منذ ست سنوات باسم " ما بين النهرين" بالآلة المسمّاة (ميموغراف).

  و قد كنّا في هذه المدَّة نتوقَّعُ أن تظهر نهضة آداب جديدة بين شبّان أمتنا الآراميّة لإملاء هذا الفراغ إلى أن الله جلّ جلاله، أيقظ الروح الوطنية في قلوب بعض مُفكِّري الأمّة و ألَّفوا جمعيّة باسم "الجمعية الوطنيّة الآثوريّة – الكلدانيّة" لتقوم بأعمال تؤول إلى نفع الأمّة أدبياً و اجتماعياً. فبعد أن فرغت الجمعيَّة المومَأ إليها من مهمَّة إرسال مندوبين إلى "مؤتمر السلام" في باريز لأجل مُحافظة حقوق الأمَّة الآثوريَّة – الكلدانيَّة، جالت الفكرة في اتخاذ وسائط مؤثِّرة لتنوير أذهان الشعب و تهذيب أخلاقه لكي يُصبح قادراً على محافظة قوميّته و جنسيّته و لسانه و أيقنت أن ذلك لا يتمُّ إلاَّ بالصحافة و تأسيس مطبعة و نشر جريدة و كتب مدرسية و أدبيّة و تاريخيَّة ففاوضت أعضاءها و سائر الجمعيات و ارتاحوا كلهم إلى هذا الرأي الصائب و وعدوها بالمناصرة، فسعت السّعي البليغ و أوجدت أحرفاً سريانية من شرقية و غربية و اشترت أحرفاً عربية أيضاً على النّسق الجديد المدعو (لينوتايب) و شرعت بنشر هذه الجريدة باللغتين الآراميّة، الشرقية و الغربية، و العربية حسب مرغوب الشعب. 

   فعلى الشعب إذاً مناصرة هذه الجريدة التي أُنشِئت لتعليمه واجباته نحو دينه ووطنه و لسانه و آدابه، لان الجرائد لا تعيش إلاّ بمناصرة قُرَّائها و كلما كثُر مشتركوها نمت و ازدهرت و عاشت.

   فإلى إخواننا الآراميّين نزفّ هذه الجريدة التي ظهرت في عالم الصحافة بأحرف جميلة و طبع جيّد و مواد مفيدة و نأمل أن يقبلوا عليها متهافتين تهافت الجياع على القصاع لكونها الجريدة الوحيدة التي تقوم باحتياجاتهم الأدبيّة و لا يُقبل لهم عذر من الآن فصاعداً كما كان البعض يعتذرون قبلاً بأنهم لا يجيدون الفراءة السريانية أو الكرشونيّة، فهذه الجريدة اليوم تُنشر بلغتين و ثلاث و هي شبيهة بجنينةٍ تحتوي أنواع الفواكه، فالذين لا يُحسنون الآراميّة فليقرأوا القسم العربي، و الذين يجهلون الاثنتين، فعليهم بمطالعة القسم الانكليزي، و ليعلموا أنّهم بإقبالهم على مناصرتها و معاضدتها يؤَدُّون أقدس الواجبات التي عليهم أَلا و هي الواجبات الوطنية و اللسانية، و بمناصرتهم لها سوف يشاهدون في أقرب حين أن الكتب المدرسية و التاريخية و الأدبية التي يطلبونها تُنشر بلغتهم و أن أولادهم ينجحون و يتهذَّبون بالتربية القوميَّة و الوطنيُّة و يصبحون عارفين لغتهم و متكلِّمين بها نظير سائر الأمم. حيث أن الأمّة تُعرَف بلغتها و آدابها و حينئذ نستطيع أن نُظهرَ للملأ آراميَّتنا الحقَّة و شرف لغتها و نبرهن على أننا أحفاد أُولئك الأمجاد.

   فليتذكّر الآراميّون شرف حسَبهم و رِفعة نَسَِبهم و لينهضوا نهضة الرجال و يُعيدوا لأُمتِّهم منزلةً ساميةً في الهيئة الإجتماعية كما كانت في الأَعصار الغابرة و ذلك بواسطة الصحافة و نشر الكتب الأدبيَّة و التاريخية فإنها الواسطة الوحيدة و العامل الأكبر في ترقية الأمّة و تهذيب أخلاقها و تنوير أفكار شبّانها.  فإن الآراميّين كانوا في قديم الزمان مصدر العلوم و الفنون و الشرائع و المدنية و كان العَالَمان الشرقي و الغربي يقتبسان قديماً من كلِّياتها الرَّهاويَّة و النصيبينيَّة أنوار العلوم، و لها الفخر بعلمائها و بؤملفاتهم الكثيرة التي لا يحصرها عدد، و هي التي حفظت للعالم أنواع الآثار التاريخيَّة و الطبيَّة و اللاهوتية و الفلسفية التي تزدان بها اليوم مكاتب لندن و باريز و رومية و برلين و غيرها. فعلينا إذاً أن نقتدي بأجدادنا الكرام في أمر ترقية المعارف و نشر الآداب الآراميّة و نسعى لتهذيب أولادنا الذين سيكونون رجال مستقبلنا و نعتصم بالعلوم و نلتجئ إليها و نقدِّر حقَّ الصَّحافة التي عليها يتوقف نجاح كلّ أمّة.

 هذا و إننا نرجو إخواننا السوريين على اختلاف منازعهم و مذاهبهم أن يرمقوا هذه الصّحيفة المولودة جديداً في عالم الصّحافة بعين الرِّضى و الإرتياح و يقوموا بمناصرة مشروعنا الأدبي باشتراكاتهم و إعلاناتهم بجريدتنا حسب الأصول و بذلك يُناصرون الآداب فيُشكرون.

   و أيضاً نتوقّع المناصرة الكبرى من إخواننا الموارنة المنتسبين إلى الآراميّة حيث أن الغرض من إنشاء هذه الجريدة توحيد أفكار بني آرام الكرام و إيجاد التفاهم و الإتّحاد الجنسي الأدبي فيما بيننا و إيقاظهم لتعزيز لغة أجدادهم العظام، إذ أنهم مشتركون معنا في الجنسية و اللغة و الطقوس أيضاً، و لا فرق بين آراميي لبنان و سوريا و آراميي ما بين النهرين و بلاد الفرس سوى بعض مسائل مذاهبية لا تمنعهم من الإتّحاد معنا أدبياً بقصد رفع شأن الآراميّة و تعليم لسانها و نشر تواريخها و آدابها التي كاد أن يُقضى عليها و تهذيب الناشئة و تعليمها لغة الآباء و الأجداد الذين رفعوا منار العلم و المدنية في الديار الشرقية و كانوا أنواراً ساطعةً في سماء الآداب و المعارف و ما شاهدناه في إخواننا المومأ إليهم من التمسّك بآراميَّتهم و الحرص على لغتهم و المحافظة عليها في مدارسهم و كنائسهم يُحيي فينا الآمال و يجعلنا نعتقد أنهم سيكونون لنا في مهمّتنا الأدبيّة و القوميّة خير أعوان مادّة و معنىً، كيف لا و هم الذين أدخلوا إلى أوربا معرفة الآراميّة و صاروا واسطة لتأسيس مدرسةٍ سريانيةٍ مارونيّةٍ في رومية نشأ منها أساتذة و مؤلفون مجيدون كجرجس ميخائيل عميرة، و ابراهيم الحاقلاني، و يوسف سمعان السمعاني صاحب "المكتبة الشرقية" و جبرائيل القرداحي صاحب كتاب "اللُبَاب" و هو معجم سرياني/عربي، جليل الفائدة لدارسي الآرامية. و لا نقول هذا من باب التزلّف بل اننا نشهد لفضلهم و مقدرتهم الأدبية و نُقدّر مساعيهم في ترقية اللسان الآرامي. و مما لا ريب فيه أنهم هم الذين رقّوا الصَّحافة العربية في سوريا و مصر و البلاد المتحدة، و لهم الفضل الأكبر على اللغة العربية، إذ أن أكثر مؤلفي المعجمات و الكتب الأدبية هم علماء الموارنة، و عليه لا بأس من أن ندعوهم إلى التكاتف و التناصر و الإتِحَاد معنا في أمر ترقية لغتنا و آدابها.

  و قد رأينا أن نصدر هذه الجريدة الآن بهاتين اللغتين أي الآراميّة و العربية لعلمنا أنهما دارجتان بين جميع الآراميين، فالأولى هي لغتهم القديمة و الثانية لغتهم الحديثة. و لكي نحثّ أبناء اللغة الآراميّة على تعلّم لغتهم القديمة و لإيصالها إلى درجة لغتهم الجديدة، فيصبحون إذ ذاك متّحدين لغةً و نزعةً و فكراً، و قد نفصلهما عن بعض بعد حين و نجعلهما جريدتين مستقلّتين إذا اقتضت الحال.

   فلنسأل القرّاء الكرام غضّ النظر عمّا يرون في هذه الجريدة من خللٍ في التراكيب إذ ليس غرضنا الحقيقي رفع اسم زيد و خفض اسم عمرو، بل رفع شأن الأمَّة الآراميَّة و إعلاء اسمها و الإعراب عن مجدها القديم. فكلُّ غرضٍ سامٍ كهذا و لو حُرِّرَ بلغةٍ بسيطةٍ و على نسق سلسٍ لدرجةٍ لا تَمجُّهُ الأسماع فهو مقبول.

   و الله المسئول أن يجعل هذه الجريدة نوراً يهتدي به بنو آرام، و دليلاً هادياً لهم في سبيل هذه الحياة كما يُرام.

نعوم فائق  

             USA 

Naoum Fayeq(1868-1930)

(b. Diyar Bakr-Turkey)

* عن مجلّة "آرام"، عدد 15 – 16 (1998)، ص 128 – 124.