بقلم الأديب الملفونو نعوم فائق
مقدمة الإقتتاحيَّة
*
هذه الإفتتاحيَّة كانت للعدد
الأول من جريدة "الإتّحاد" بقلم رئيس تحريرها الملفونو نعوم فائق، التي
أصدرتها "الجمعيّة الوطنيّة الآثوريَّة – الكلدانيَّة" عام 1921 في
الولايات المتحدة الأمريكية، بهدف دعوة جميع الطوائف من أبناء الأمّة
الآراميَّة لتحقيق الوحدة الآراميَّة الشاملة.
و إن مجلّة "آرام"
لتفتخر بأنها ما زالت تسير منذ صدورها، كما وعدت، على خطى روّاد
القومية الآراميّة الأوائل، الذين برزوا في نهاية القرن التاسع عشر و
بداية القرن العشرين. و من أبرزهم المفكّر القومي و الصحافي اللامع الأديب
نعوم فائق، إضافة إلى حنا سرّي جقي، و بشَّار بوريجي، و سعيد بشارة، و كبرئيل
أفندي بوياجي، و غيرهم.
و تقديراً لجهود المؤلف
نعوم فائق و دوره البارز في الدعوة الصارخة إلى لمّ شمل الآراميين كافة،
مشارقة و مغاربة، و اتّحادهم، و لمناسبة مرور 130 عاماً على مولده، ننشر الآن
مقاله الإفتتاحي هذا، لأهمّيته القوميّة البالغة، كافتتاحية جديدة لهذا العدد
من مجلّة "آرام" و ذلك بنصّه و عنوانه كاملين، من دون زيادة أو نقصان أو
تغيير، وذلك كما ورد حرفيّاً في العدد الأول من جريدة "الإتحاد"، و أيضاً في
كتاب "ذكرى و تخليد نعوم فائق" لمؤلفه حنا جقي (ص 63 – 66، ط. دمشق، عام
1936).
و بهذه المناسبة المجيدة،
يسرّ مجلّة "آرام" أن تجدّد اليوم بالذات، ذلك العهد و نفس الدعوة و تُهيب
بكل الآراميين، أينما كانوا، و على اختلاف فرقهم و طوائفهم، و البالغ تعدادهم
حاليّاً (13 – 15) مليون نسمة، إلى التكاتف و الإتّحاد و العمل معاً للبحث عن
مستقبل مشرّف لأبناء الأمّة الآراميّة.
قلّما يوجد صحافة في عالم
الأدب و السياسة لا تكون غايتها شريفة. و قد خُلقت الصّحافة لتكون في كلّ
أمّة مرشدةً و مُهذّبة و هاديةً الناس إلى سبيل الرّشاد و طريق الكمال.
فالجريدة التي يكون مبدأها الإرشاد إلى الفضائل الأخلاقية و التربية القوميّة
و الآداب الإنسانية و تُُعلِّم الخَلق الوئام و الإتحاد و تكون منزَّهة عن
إلقاء الشَّحناء و البغضاء في قلوب البشر و تلقٍّن الشباب حبّ وطنهم و
جنسيتهم و لسانهم، هي الجريدة الراقية و المُصلحة و الجالبة ثقة الشعب و
مناصرته.
و بناءً على ما تقدّم قد
أُنشِئت هذه الجريدة على القواعد المارّ ذِكرُها، لترشد أبناء الأُمَّة الآراميَّة إلى ما فيه الخير و
الصَّلاح، و تهديهم إلى سبيل الفلاح، و تبثّ فيهم الروح الوطنيَّة و حبَّ
اللسان على المبادئ الحرّة و التهذيبِيَّة، و هي أول جريدة تُنشر باللغة
العربية للآرامييّن على اختلاف مذاهبهم في المهجر. و لقد طالما رغب
إلينا أبناء أمتنا الآراميّة أن ننشر
لهم جريدة عربية تُعرِب عن أحوالهم و تُطلِعهم على أخبارهم و آدابهم و
تواريخهم و تكون لسان حالهم في المهجر و الوطن و كنّا نتمنَّى أن نحقق
أمانيهم لو سمحت لنا الظروف أن نفعل فوق ما كنّا نفعله من نشر جريدة
(كرشونية) سريانية عربية و تركية التي أسسناها منذ ست سنوات باسم " ما بين النهرين" بالآلة المسمّاة
(ميموغراف).
و قد كنّا في هذه المدَّة
نتوقَّعُ أن تظهر نهضة آداب جديدة بين شبّان أمتنا
الآراميّة لإملاء هذا الفراغ إلى أن الله جلّ جلاله، أيقظ الروح
الوطنية في قلوب بعض مُفكِّري الأمّة و ألَّفوا جمعيّة باسم "الجمعية
الوطنيّة الآثوريّة – الكلدانيّة" لتقوم بأعمال تؤول إلى نفع الأمّة أدبياً و
اجتماعياً. فبعد أن فرغت الجمعيَّة المومَأ إليها من مهمَّة إرسال مندوبين
إلى "مؤتمر السلام" في باريز لأجل مُحافظة حقوق الأمَّة الآثوريَّة –
الكلدانيَّة، جالت الفكرة في اتخاذ وسائط مؤثِّرة لتنوير أذهان الشعب و تهذيب
أخلاقه لكي يُصبح قادراً على محافظة قوميّته و جنسيّته و لسانه و أيقنت أن
ذلك لا يتمُّ إلاَّ بالصحافة و تأسيس مطبعة و نشر جريدة و كتب مدرسية و
أدبيّة و تاريخيَّة ففاوضت أعضاءها و سائر الجمعيات و ارتاحوا كلهم إلى هذا
الرأي الصائب و وعدوها بالمناصرة، فسعت السّعي البليغ و أوجدت أحرفاً سريانية
من شرقية و غربية و اشترت أحرفاً عربية أيضاً على النّسق الجديد المدعو
(لينوتايب) و شرعت بنشر هذه الجريدة باللغتين الآراميّة، الشرقية و
الغربية، و العربية حسب مرغوب الشعب.
فعلى الشعب إذاً مناصرة هذه
الجريدة التي أُنشِئت لتعليمه واجباته نحو دينه ووطنه و لسانه و آدابه، لان
الجرائد لا تعيش إلاّ بمناصرة قُرَّائها و كلما كثُر مشتركوها نمت و ازدهرت و
عاشت.
فإلى إخواننا الآراميّين
نزفّ هذه الجريدة التي ظهرت في عالم الصحافة بأحرف جميلة و طبع جيّد و مواد
مفيدة و نأمل أن يقبلوا عليها متهافتين تهافت الجياع على القصاع لكونها
الجريدة الوحيدة التي تقوم باحتياجاتهم الأدبيّة و لا يُقبل لهم عذر من الآن
فصاعداً كما كان البعض يعتذرون قبلاً بأنهم لا يجيدون الفراءة السريانية أو
الكرشونيّة، فهذه الجريدة اليوم تُنشر بلغتين و ثلاث و هي شبيهة بجنينةٍ
تحتوي أنواع الفواكه، فالذين لا يُحسنون الآراميّة فليقرأوا القسم
العربي، و الذين يجهلون الاثنتين، فعليهم بمطالعة القسم الانكليزي، و ليعلموا
أنّهم بإقبالهم على مناصرتها و معاضدتها يؤَدُّون أقدس الواجبات التي عليهم
أَلا و هي الواجبات الوطنية و اللسانية، و بمناصرتهم لها سوف يشاهدون في أقرب
حين أن الكتب المدرسية و التاريخية و الأدبية التي يطلبونها تُنشر بلغتهم و
أن أولادهم ينجحون و يتهذَّبون بالتربية القوميَّة و الوطنيُّة و يصبحون
عارفين لغتهم و متكلِّمين بها نظير سائر الأمم. حيث أن الأمّة تُعرَف بلغتها
و آدابها و حينئذ نستطيع أن نُظهرَ للملأ آراميَّتنا الحقَّة و شرف
لغتها و نبرهن على أننا أحفاد أُولئك الأمجاد.
فليتذكّر الآراميّون شرف حسَبهم و رِفعة نَسَِبهم و لينهضوا نهضة الرجال و
يُعيدوا لأُمتِّهم منزلةً ساميةً في الهيئة الإجتماعية كما
كانت في الأَعصار الغابرة و ذلك بواسطة الصحافة و نشر الكتب الأدبيَّة و
التاريخية فإنها الواسطة الوحيدة و العامل الأكبر في ترقية الأمّة و تهذيب
أخلاقها و تنوير أفكار شبّانها. فإن الآراميّين كانوا في قديم الزمان مصدر
العلوم و الفنون و الشرائع و المدنية و كان العَالَمان الشرقي و الغربي
يقتبسان قديماً من كلِّياتها الرَّهاويَّة و النصيبينيَّة أنوار العلوم، و
لها الفخر بعلمائها و بؤملفاتهم الكثيرة التي لا يحصرها عدد، و هي التي حفظت
للعالم أنواع الآثار التاريخيَّة و الطبيَّة و اللاهوتية و الفلسفية التي
تزدان بها اليوم مكاتب لندن و باريز و رومية و برلين و غيرها. فعلينا إذاً أن
نقتدي بأجدادنا الكرام في أمر ترقية المعارف و نشر الآداب الآراميّة و
نسعى لتهذيب أولادنا الذين سيكونون رجال مستقبلنا و نعتصم بالعلوم و نلتجئ
إليها و نقدِّر حقَّ الصَّحافة التي عليها يتوقف نجاح كلّ أمّة.
هذا و إننا نرجو إخواننا
السوريين على اختلاف منازعهم و مذاهبهم أن يرمقوا هذه الصّحيفة المولودة
جديداً في عالم الصّحافة بعين الرِّضى و الإرتياح و يقوموا بمناصرة مشروعنا
الأدبي باشتراكاتهم و إعلاناتهم بجريدتنا حسب الأصول و بذلك يُناصرون الآداب
فيُشكرون.
و أيضاً نتوقّع المناصرة
الكبرى من إخواننا الموارنة المنتسبين إلى
الآراميّة حيث أن الغرض من إنشاء هذه الجريدة توحيد
أفكار بني آرام الكرام و إيجاد التفاهم و الإتّحاد الجنسي الأدبي
فيما بيننا و إيقاظهم لتعزيز لغة أجدادهم العظام، إذ أنهم مشتركون معنا في
الجنسية و اللغة و الطقوس أيضاً، و لا فرق بين
آراميي لبنان و سوريا و آراميي ما بين النهرين و بلاد الفرس سوى بعض مسائل مذاهبية لا تمنعهم من الإتّحاد معنا أدبياً بقصد رفع شأن الآراميّة و تعليم لسانها و نشر تواريخها و آدابها التي كاد
أن يُقضى عليها و تهذيب الناشئة و تعليمها لغة الآباء و الأجداد الذين رفعوا
منار العلم و المدنية في الديار الشرقية و كانوا أنواراً ساطعةً في سماء
الآداب و المعارف و ما شاهدناه في إخواننا المومأ إليهم من التمسّك بآراميَّتهم و الحرص على
لغتهم و المحافظة عليها في مدارسهم و كنائسهم يُحيي فينا الآمال و يجعلنا
نعتقد أنهم سيكونون لنا في مهمّتنا الأدبيّة و القوميّة خير أعوان مادّة و
معنىً، كيف لا و هم الذين أدخلوا إلى أوربا
معرفة الآراميّة و صاروا واسطة لتأسيس مدرسةٍ سريانيةٍ مارونيّةٍ
في رومية نشأ منها أساتذة و مؤلفون مجيدون كجرجس ميخائيل عميرة، و ابراهيم
الحاقلاني، و يوسف سمعان السمعاني صاحب "المكتبة الشرقية" و جبرائيل القرداحي
صاحب كتاب "اللُبَاب" و هو معجم سرياني/عربي، جليل الفائدة لدارسي الآرامية. و لا نقول هذا من
باب التزلّف بل اننا نشهد لفضلهم و مقدرتهم الأدبية و نُقدّر مساعيهم في
ترقية اللسان الآرامي. و مما لا ريب فيه
أنهم هم الذين رقّوا الصَّحافة العربية في سوريا و مصر و البلاد المتحدة،
و لهم الفضل الأكبر على اللغة العربية، إذ
أن أكثر مؤلفي المعجمات و الكتب الأدبية هم علماء الموارنة، و عليه لا بأس من
أن ندعوهم إلى التكاتف و التناصر و الإتِحَاد معنا في أمر ترقية لغتنا و
آدابها.
و قد رأينا أن نصدر هذه
الجريدة الآن بهاتين اللغتين أي الآراميّة و العربية لعلمنا أنهما دارجتان
بين جميع الآراميين، فالأولى هي
لغتهم القديمة و الثانية لغتهم الحديثة. و لكي نحثّ
أبناء اللغة الآراميّة على تعلّم لغتهم القديمة و لإيصالها
إلى درجة لغتهم الجديدة، فيصبحون إذ ذاك متّحدين لغةً و نزعةً و فكراً، و قد
نفصلهما عن بعض بعد حين و نجعلهما جريدتين مستقلّتين إذا اقتضت الحال.
فلنسأل القرّاء الكرام غضّ
النظر عمّا يرون في هذه الجريدة من خللٍ في التراكيب إذ ليس غرضنا الحقيقي
رفع اسم زيد و خفض اسم عمرو، بل رفع شأن الأمَّة
الآراميَّة و إعلاء اسمها و الإعراب عن مجدها القديم. فكلُّ غرضٍ
سامٍ كهذا و لو حُرِّرَ بلغةٍ بسيطةٍ و على نسق سلسٍ لدرجةٍ لا تَمجُّهُ
الأسماع فهو مقبول.
و الله المسئول أن يجعل هذه
الجريدة نوراً يهتدي به بنو آرام، و دليلاً
هادياً لهم في سبيل هذه الحياة كما يُرام.
نعوم فائق
USA
Naoum Fayeq(1868-1930)
(b. Diyar
Bakr-Turkey)
*
عن مجلّة "آرام"، عدد 15 – 16 (1998)، ص 128 – 124.