تبرع

| الرئيسة سياسة |  روابط | نشيد قومي | أرشيف | إتصل بنا | 

د. عماد شمعون

رئيس الجبهة الآرامية

 


 المؤتمر الآرامي الأول في لبنان

"الآرامية حضارة ولغة وهوية وشعب"

 برعاية غبطة البطربرك مار نصرالله بطرس صفير

1-5-1997

 الكلمة الافتتاحية مؤتمر الجبهة الارامية الثقافية الاول  د. عماد شمعون

أسرة التحرير مجلّة آرام مؤتمر الجبهة الارامية الثقافية  

التنظيم الارامي الديمقراطي الى مؤتمر الجبهة الارامية الثقافية  

 كلمة المطران بولس مطر (رئيس أساقفة بيروت للموارنة)

 كلمة المطران غريغوريوس الياس طبي ( المعاون البطريركي للسريان الكاثوليك)

 كلمة الدكتور حبيب شارل مالك (أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية الآميركية)

 كلمة المطران جورج صليبا (مطران جبل لبنان وطرابلس للسريان الارثوذكس)

 كلمة المطران مار نرساي دي باز (اسقف لبنان للكنيسة الاشورية)

 كلمة الدكتور ديمتري بيطار (رئيس الرابطة اللبنانية لطائفة الروم الارثوذكس)

 كلمة الأب الدكتور ميشال سبع (ممثل طائفة الروم الكاثوليك)

 كلمة د. كميل طانيوس الحاج ( أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية )

 كلمة القس حبيب بدر ( ممثل المجمع الأعلى للطائفة الإنجيلية في لبنان وسوريا)

كلمة سيادة المطران يوسف توماس (مطران بيروت للكنيسة الكلدانية)

كيف أحدّد هويّتي؟ د.عماد شمعون رئيس الجبهة الآرامية  1 أيار 1996

                                                                                                                                       

 1أيار 1997

 مؤتمر الجبهة الارامية الثقافية الاول

 "الآرامية حضارة ولغة وهوية وشعب"

برعاية غبطة البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير

 -------------------------------------------------

 الكلمة الافتتاحية

   تتألف الكلمة الافتتاحية لمؤتمر الجبهة الآرامية الثقافية الأول، "الآرامية حضارة ولغة وهوية وشعب" من رسالة يتوجه بها الملك أحيرام ملك جبيل الى المؤتمرين، ومن ردٍّ على الرسالة يتوجه به رئيس الجبهة الآرامية الثقافية الدكتور عماد شمعون.

 "... رسالة عاجلة من صاحب الجلالة، "جلالة الملك أحيرام ، ملك جبيل"

 أيها الحفل الكريم،

    لقد بلغني نبأ إجتماعكم اليوم بإسم مايجمع بيكم من حضارة مشرقيّة عريقة ، ولغة آرامية مديدة، وديانة مسيحية مجيدة، فسُرَّ قلبي وخفق بي نعشي نافضاً عنه غبار دهر كاد تراكمه يقتل فيّ الامل.

   إن ما حلمت به طويلاً أراه يتحقق اليوم، حيث شعبي يرفع راية حضارته المشرقيّة عالياً، حافظاً الامانة، رافضاً التنكّر للهوية والجذور.

   أبنائي، أبناء بلاد أمورو، أبناء اللسان الآرامي، أود في هذه المناسبة أن تبلّغوا أشواقي الى أبناء نينوى شقيقة مملكتي جبيل، والى أبناء بابل، وماري ، وماردين، والرُها، وأغاريت، فهم الآن يحتفلون بفضلكم بعيد الصحوة هذا، عيد إستنهاض وحدة الشمل حضارياً ومسيحياً.

   وختاماً، أستودعكم مؤكداً، أن في إتحادكم هذا، قوة لكم وللبنان:

دمتم الى سيّد البحار

الملك أحرام ملك جبيل

----------------------------------------------------------------

صاحب الجلالة، جلالة الملك أحيرام ،

ملك جبيل المدينة الأعرق حضارةً في التاريخ، مدينة الحرف مدينة النور.

بعد التحية والإكبار،

سيدي الملك،

إننا نعاهدكم بإسم آباء حضارتنا: أمورّو، وكنعان، وآرام، وآشور... وبإسم آباء كنيستنا : مار نسطور، ومار يعقوب البرادعي، ومار يوحنا ذهبي الفم، ومار أفرام، ومار مارون... أن نظل شهوداً أوفياء على إستمرارية حضارتنا، وذلك في تشبثنا بهويتنا القومية، وفي تمسكنا بلغتنا الأم لغةِ إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح.

د. عماد شمعون

رئيس الجبهة الآرامية الثقافية

 

 1أيار 1997

أسرة التحرير مجلّة آرام

المؤتمر الآرامي الأول في لبنان

"الآرامية حضارة ولغة وهوية وشعب"

برعاية غبطة البطربرك مار نصرالله بطرس صفير

1-5-1997

عقد "المؤيمر الآرامي الأول" في لبنان، بتاريخ الأول من أيار عام 1997، تحت عنوان: "الآرامية حضارة ولغة وهوية شعب" برعاية غبطة البطربرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير. ويأتي هذا المؤتمر في خضم الصراع الحضاري، لتأكيد هوّية لبنان السريانية الآرامية الأصيلة، إثر المحاولات الهادفة الى تغيير هوّيته المميّزة تلك، وإرغام سكانه اللبنانيين المسيحيين:من موارنة وروم وسريان وإنجيليين، على القبول بهوّية غربية عنهم، تراثاً وتاريخاً قومياً. وذلك تطبيقاً لقول الباحث البريطاني        Huble: "إذا أردت أن تلغي شعباً، تبدأ أولاً، بشلّ ذاكرته، ثم يلغي كتبه وثقافاته وتاريخه، ثم يكتب له طرف آخر كتباً أخرى، ويخترع له تاريخاً آخر... عندها ينسى هذا الشعب من كان، وماذا كان، والعالم ينساه أيضاً...".

هذه الخطوة الرّصينة من "سيّد بكركي" البطريرك الذي "  مجد لبنان أعطي له"، لم تكن الوحيدة في هذا المجال، إذ سبق له، أن حقّق إنجازات تاريخية عدّة ، منها ولعلها الآولى من نوعها منذ 400 سنة، عندما ضمّن إعلانه الشهير، في وجوب الرجوع الى الأصالة والجذور الآرامية الموحِدة، والحفاظ على الهويّة القوميّة، والعودة الى اعتماد اللغة السريانية الآرامية. ناهيك عن احتضان الكنيسة المارونية، لسلسة "مؤتمرات التراث السرياني" الدورية كل عام، بمشاركة مختلف طوائف الشعب الآرامي. حيث تمّ مؤخراً عقد "مؤتمر التراث السرياني الخامس" من هذه السلسة التاريخية الهامّة.

لقد شارك في أعمال " المؤتمر الآرامي الأول" في لبنان، نخبة من المفكّرين وذوي الاختصاص، من علماء ورجال دين، يمثلون كافة طوائف العائلة الآرامية الواحدة في لبنان. وقد عبّر المشاركون، خلال طروحاتهم وكلماتهم، عن رغبتهم لا بل إصرارهم في العودة الى الجذور الآرامية الموحدة، والحفاظ على التراث الجامع الواحد، الذي يعزّر الإنتماء الى الهويّة الأصيلة.

كان هذا المؤتمر، في الواقع ، ظاهرة جديدة، في تاريخ الطوائف الآرامية، التي تلاقت بلهفة وشوق، يشدّها حنين العودة الى الأصالة والجذور الواحدة، التي تصبّ في الهوية الواحدة، القوّة والكرامة.

وأخيراً لا يسعنا، إلا أن ننوّه بالدور الحضاري الرائد الذي قامت به "الجبهة الآرامية الثقافية" في لبنان، في عقد " المؤتمر الآرامي الأول" هذا، إعداداً وتحضيراً ودعوة وإشرافاً، وذلك بإدارة رئيسها الكتور عماد شمعون، المعروف بنشاطه الثقافي والحضاري الدؤوب في لبنان ولأجل لبنان، وبحسماسه الشديد لجمع شمل كافة طوائف الشعب الآرامي، التي لبت دعوة رئيس الجبهة الآرامية باندفاع عفوي جارف ، تحقيقاً لأمانيها القومية.

ولأهميّة هذا الحدث الفريد، ورغبةّ منّا في نقل القارىء الكريم، الى أجواء "المؤتمر الآرامي الأول"، فقد عمدنا الى نشر جميع المقالات والأبحاث، التي قُدمت فيه كاملةً، في هذا العدد من مجلّة آرام.

27/4/1997

الى الجبهة الآرامية في لبنان

وإلى المؤتمرين الكرام في المؤتمر الآرامي الأول في لبنان

 تحية آرامية

 

 لمناسبة انعقاد المؤتمر الآرامي الأول في لبنان، نتوجه للآباء الكرام ولكم وللإخوة المؤتمرين بأطيب التمنيات والتوفيق لجهودكم وعزائمكم على طريق توحيد الشعب الآرامي وتأكيد هويته وإثبات وجوده في حركة تاريخ المنطقة لتحقيق اماله وأمانيه في حياة حرة كريمة، شاكرين جهودكم في سبيل إنجاحه وبذر الفكر القومي الآرامي، كي تبقى هويتنا المستقلة شعاراً مرفوعاً لكرامتنا معبرّين لكم عن تضامننا مع تطلعاتكم واًهدافكم لما يعطيناهذا التضامن من قوة وأمل واستعداد للتعاون الآرامي في لبنان والمشرق والعالم.

          والتنظيم الآرامي الديمقراطي في السويد، يتمنى لمؤتمركم الكريم النجاح الكامل لأعماله في هذه المرحلة التاريخية والمصيرية لنضال شعبنا في المشرق، آملين أن نبقى يداً واحدة وقلباً واحداً في خدمة قضايا شعبنا المصيرية العادلة.

 

التنظيم الارامي الديمقراطي

المكتب السياسي

1997/أيار/1

 

مؤتمر الجبهة الآرامية الثقافية الاول

 "الآرامية حضارة ولغة وهوية وشعب"

برعاية غبطة البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير

 كلمة المطران بولس مطر

(رئيس أساقفة بيروت للموارنة)

 الجذور الآرامية السريانية للكنيسة المارونية

أشكر الداعين أولاً الى هذا المؤتمر حول التراث السرياني، كما أشكر لهم الثقة التي محضوني إيّاها لأحدّثكم عن موضوع واسع ومتشعب في التاريخ والجغرافية، وقد اختصروه في العنوان التالي:

(الجذور الآرامية السريانية للكنيسة المارونية).إني أقرّ أمامكم بادىء ذي بدء أن عقبتين تحولان دون معالجة عميقة لهذا الموضوع ، أولهما: ضيق الوقت وثانيها: أني لست رجل اختصاص في تاريخ الشرق القديم الذي يُعرف بمهد الحضارات وبمهد كبرى ديانات العالم بأسره، إلاّ أني كماروني قُيّض له أن يدرس تاريخ الكنيسة، أتجرّأ لأعطيكم لمحة ولو سريعة تظهر الارتباط العضوي بين هذه الكنيسة المارونية وبين اللغة السريانية وحضارتها ومجمل  شعوبها. ولكي أرسم بعض الخطوط العريضة للجغرافيا الإنسانية لهذه الحضارة، أعود معكم الى الجيل العاشر قبل المسيح أي الى أيام داود املك العبري الذي دخل في صراع دام مع بعض شعوب المنطقة دونها الحثيون في وسط فلسطين والكنعانيون في شمالها وفي ما نسميه بالجليل اللبناني، والآراميين في بلاد شام. فمنذ ذلك الزمن أي منذ حوالي ثلاثة آلاف سنة ماتزال كلمة "آرامي" تتردّد على الألسن في شرقنا دون انقطاع. هذا فيما الكتاب المقدّس يعيد أصل ابرهيم الخليل الى الآراميين ممن كانوا في ما بين النهرين، فليزمنا هذا القول بالعودة الى أصل الآراميين ووجودهم الى حوالي ألفي سنة قبل المسيح والى الشمال العراقي بالذات.

 والجميع يعلم أن السيّد المسيح له المجد يذكر في إنجيله رجلاً شُفي من مرضه على يد اليشع النبي إسمه نعمان السرياني أو الآرامي، وهي أعجوبة تعود بنا الى القرن الثامن من العصور القديمة. أما المؤرخون فيذكرون أن هذا القرن الذي ذكرنا قد شهد بداية مهمة لانتشار الآرامية السريانية وانطلاقاً واسعاً لحضارتها في مجمل الأراضي التي صار اسمها اليوم العراق وسورية ولبنان. لكننا ملتزمون أيضاً لإكمال صورة انتشار الشعوب التي عرفها الشرق الأوسط في هذا الماضي القديم، بذكر خاص للكنعانيين الذين كانوا يقطنون ساحل البحر المتوسط من فلسطين الى لبنان ووصولاً الى رأس شمرا وانطاكية وخليج اسكندرون. وهؤلاء أيضاً قد دعوا فينيقيين وهي تيمية أتتهم من اليونان كما أن إسم سورية من الرومان.

    فإذا ما قلنا أن الأرض اللبنانية هي جزء من أرض كنعان وأنها مُحاطةٌ بأرض كان يسكنها الآراميون، يتبين لنا في الحال أن الموارنة الذين عرفوا انطلاقتين كبيرتين لهم، الأولى في شمال سوريا على يد مارون الناسك وتلاميذه ، والثانية على أرض لبنان بواسطة تفاعل الرسالة المارونية الآتية من سوريا مع سكان كنعان المحليّين أي الفينيقييّن.

 جذور الكنيسة المارونية هي إذن جذور آرامية. وإن هذا القول ليجعلنا شركاء تاريخٍ مجيدٍ مع جميع المتكلّمين باللغة السريانية، تلك التي سيطرت حضارياً على مجمل الشرق، من البحر المتوسط حتى ايران ردحاً من الزمن يزيد على أكثر من ألف عام.وهي لغة تعلّمها العبرانيون عندما رماهم السّبي في أرض بابل، وعادوا بها الى فلسطين ليبقوا على استعمالها حتى في أيام السيد المسيح الذي باركها بالتكلمّ بها مع العذراء مريم أمّه ومع جميع الذين بشّرهم بملكوت الله. فيكفي هذه اللغة فخراً أنها كانت لغة التجسّد الإلهي والكنيسة الأولى، من أورشليم الى انطاكية ومن ثم الى بلاد بابل وبعض من بلاد الهند حيث يقطن الى اليوم السريان الملنكار والملابار الذين بُشرّوا بحسب التقليد على يد توما الرسول في القرن الأول الميلادي.

    وكما عرفت الآرامية رواجاً قبل المسيح بسبعة قرون هكذا أيضاً امتدّ ظلُّها على الشرق بعد المسيح من لبنان وسوريا حيث سُميت لهجتها بالسريانية الغربية حتى العراق وبعض من الهند حيث تميزت لهجةً وكتابةً ودُعيت بالآرامية الشرقية. وفي كلتا البقعتين المذكورتين أعلاه عرفت الآرامية ازدهاراً أدبياً ولاهوتياً كبيرين أعطى الكنيسة الجامعة واحداً من أكبر آبائها وهو مار أفرام السرياني الملقّب بكنارة الروح القدس. ألإّ أن الكنيسة المارونية قد تفردّت في العائلة السريانية عن سائر كنائس هذه العائلة بانفتاحها نحو أرض لبنان وبارتباطها بكنيسة روما على مدى تاريخها كلّه دون انقطاع، ممّا أعطاها أن تتطوّر وأن تسهم خاصة في تكوين شخصية ممُيزة لأبنائها.

    مثل هذا الكلام يعني أولاً أن الكنيسة المارونية هي جزءّ من الكنيسة السريانية الانطاكية وهي مرتبطة لاهوتياً بهذه الكنيسة وبتراثها الطقسي والفكري العريق. فمارون الناسك كان يتكلم الآرامية السريانية وهكذا تلاميذه ومجمل الشعب الذي كان يُحيط بالدير الماروني الأول على العاصي في شمال سوريا. ومن ذاك المكان بدأ التمايز بين السريان الموارنة والسريان الأورثوذكس إذ حدث بينهم انشقاق من جراء تعليم المجمع الخلقيدوني الأول عام  451م.

    ومن هناك، من خلقيدونيا تعدّدت أغصان الكنيسة على الجذور الآرامية الواحدة للكنيستين. والغريب أيضاً في التاريخ الماروني أن هناك تاثيراً متبادلاً يدّونه هذا التاريخ بين الكنيسة المارونية في غرب هذه المنطقة وبين الكنيسة الآرامية (الكلدانية – الآشورية) في مشرقها، مما يجعلنا نكتشف صلوات مشتركة بينهما ونوافير موحدة النشق في كتب القداس منها النافور الذي يصلي فيه الموارنة الى الآن في القدّاس السنوي الذي يقُام في صباح يوم الجمعة العظيمة كما نذكر أيضاً مقارنة بين هاتين الكنيستين، إذ لعبت الكنيسة الكلدانية – الآشورية دور المترجم والوسط بين الفكر اليوناني والفكر العربي في القرون الوسطى ولعبت الكنيسة المارونية دور المترجم والوسيط بين الفكر اليوناني الغربي الأوروبي والفكر الشرقي العربي في القرون الحديثة. إن مثل هذه المقارنة تقودنا الى التاكيد بأن الكنيسة (كل الكنائس) بانفتاحها تجمع الحضارات وتوحدها مثلما هي تجمع في أحضانها وتوحد بين أبنائها. وهكذا فمثلما كان للكنيسة المارونية في أجيالها الأولى دور في دمج اللغتين الآرامية والفينيقية بفضل تواجدها في لبنان، مما أعطانا الكثير من أسماء المدن والقرى عندنا، والكثير أيضاً من الغنى الشعري والموسيقي، هكذا عرفت أيضاً كنيستنا دوراً فعالاً في الأزمنة الحاضرة في تقريب الثقافتين وحتى اللغتين العربية والسريانية، وفي صياغة أدب إنساني رفيع أعطى جبران وأعطى النهضة العربية بكهتها الخاصة والمميّزة.

    لذلك فإننا إذ نثبت الجذور السريانية لكنيستنا المارونية نسجل أيضاً لهذه الكنيسة دوراً في الإنفتاح الحضاري والثقافي وفي تلاقيها مع سواها من الشعوب.صحيح أن الموارنة التزموا الحرية في هذا الشرق وقدّموا على مذبحها القرابين الغالية لكن الصحيح أيضاً هو أن الموارنة كانوا ويبقون أهل انفتاح ثقافي وتفاعل خلاّق أينما حلوّا في دنيا الله الواسعة.

    وإني لفخور شخصياً أمثل الكنيسة المارونية في عملية التقارب التي نقوم بها بين جميع الكنائس ذات التقليد السرياني، وهي الى المارونية، الكنائس السريانية الكاثوليكية والأرثوذكسية والشرقية القديمة، الكلدانية والآشورية والهندية الملبارية والملنكارية. إننا نتوخّى بهذا العمل أمانة لتراثنا السرياني الجامع وإحياءً له وسبراً لكنوزه الإنسانية الرائعة، لكنني في الوقت عينه أوكد أمامكم أن تراثنا السرياني هذا سيكون كما كان دائماً موجهاً نحو الانفتاح الفكري والإنساني على التراث العربي الذي أصبح تراثنا وعلى سائر الثقافات في العالم، التي تكوّن بتنوعها غنى للجنس البشري برمته.

    جميلة هي الجذور الضاربة في الأرض لكل شجرة باسقة وجميلة وممتلئة أيضاً بثمارها الدلاة على أغصانها.فليحفظ الله الكنائس التي تكلمنا عن جذورها، وليبقها مثل صديق سفر المزامير، أشجاراً مزروعة على مجاري المياه تعطي أكلها في حينه وتفصح في رسالتها وفي كل مساعيها.

    كلمة المطران بولس مطر

 

1997/أيار/1

مؤتمر الجبهة الارامية الثقافية الاول

"الآرامية حضارة ولغة وهوية وشعب"

برعاية غبظة البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير

كلمة المطران غريغوريوس الياس طبي

( المعاون البطريركي للسريان الكاثوليك)

خواطر في الجذور الآرامية السريانية

يقول اللاتينيّون: "التاريخ هو معلَّم الحياة"

   ويعتبر ابن العبري في بداية كتابه: "تاريخ الزمان":" أن الدعوة الى تذكر الأحداث إن كانت جيَّدة أم سيئة، تلك التي جرت كل جيل، توفَّر فائدة قيمة لكل الذين يرغبون في اكتساب ما هو جيد وتسمح باحتقار كل ما هو سيء".

من هذا المنطلق يُسعدني ويشرفني أن أعرض بمناسبة انعقاد هذا المؤتمر "الآرامية حضارة ولغة وهوية شعب" بعض الخواطر في الجذور الآرامية والسريانية استقصاءً للعبر واستجلاءً لهذا "التراث الآرامي العظيم الذي ورثه الموارنة ومسيحيّو الشرق "على حدّ قول الأب بطرس ضو.

وأولى هذه الخواطر فكرةً وملاحظة أبداها أحد اباحثين في علم الفن والاثار، يقول فيها: " إن الفن التشخيصي الآرامي عموماً والسوري خصوصاً ، مقارنة بمثله في حضارات الشعوب المجاورة، كالفرعونية والبابلية- الآشورية، يتمز بأحجامه المعتدلة وقياساته الواقعية، فلا ضخامة فيه ولا جبروت، كمثل أبي الهول أو الثورالمجنح وغيرهما، الأمر الذي يعكس نظرة واقعية في الإنسان والكون، يتمثل الإنسان فيها سيداً بدل أن تسحقه هذه المجسَّمات الطاغية بأحجامها". 

أن الفكرة جديرة بالبحث والاهتمام، وتقودنا الى استكشاف علم الإنسان الارامي، كما إنها توضح جوانب كثيرة عن بيئة الكتاب المقدس. فبغض النظر عن عنصر الوحي الإلهي، إن قصّة الخلق بشكلها الآرامي مقارنةً بأشكالها عند الشعوب البابلية-الآشورية أو دراسة بيئة إبراهيم الخليل الارامي، قد تُضفي أنواراً ساطعة عن الواقعية والروح الإنسانية المعتدلة الثوب الآرامية، كما وعن استعداد هذه الشعوب لتقبل فكرة الوحي الإلهي بالتوحيد. فالنعمة لا تلغي الطبيعة بل تكملها.

ومن هذا المنطلق، قد نستطيع أن نفهم لماذا يفضل ابراهيم الموحّد اختيار زوجاتٍ لأبنائه من الشعب الآرامي الذي لم يلتحق بعد بإيمانه الجديد. أو غضب الله من عبده داود إذ أقام له بيتاً ومسكناً فيه عظمة الحكام المتجبرين.

نستخلص من ذلك أن الذهنية الآرامية، بالرغم من وثنيتها، كانت أقرب ما تكون من ذهنية الكتاب المقدّس بنظرتها الى الإنسان ومكانه من الكون، أو هي الحلقة الوسطى بين الوثنية والتوحيد، بكل ما في التوحيد من مزايا إنسان، يعكسها الكتاب المقدّس ولم تكن بعيدة عن طباع الآرامي واستعداده النفسي. 

وبمجيء السيد المسيح تكتمل الحلقات. ونندهش بأية سرعة وسهولة انتشرت المسيحية في بلاد آرام. فلا شك أنها لا قت تجاوباً طبيعياً في نفوس هذه الشعوب. ولم يرَ الآرامي غضاضةً أن يدُعى سريانياً نسبةً الى البلاد التي خرجت منها هذه الدعوة الإنسانية الجديدة.

 أن سرّ القوّة والضعف في الشعوب الآرامية- السريانية ربما مردّه المنحى الإنساني المسيحي. فلا عجب أن تكون نهاية استقلال الدويلات الآرامية السياسي بداية إنطلاقة انتشارهم الروحي والثقافي في الشعوب الغالبة، لاسيما منذ انتشار المسيحيّة.

لم يستقوِ الآراميون على الشعوب الأخرى إلاً نادراً، وباستشناء مملكة الرُها لم يؤسس السريان حكماً.

 إن المؤرخ السرياني الأخير، ابن العبري عبّر عن لسان حال السريان التوم، فيرى أن التاريخ لم يخلق للشعوب السريانية إلاّ المآسي فلم يبقَ لهم اليوم إلاّ التساؤل عن معنى هذه المآسي، أهي عقاب الله؟

مع ابن العبري، لا ننفي دور العناية الإلهية ولكننا لا نُلغي من الحساب العوامل البشرية. فبعضها متجذرة في طبيعة الشعوب السريانية ، والبعض الآخر انسابت اليها مع اللاهوت السياسي، فلا خلص الدّين ولا صفت الهوية.

المطران غريغوريوس الياس طبي

 

1997/أيار/1

مؤتمر الجبهة الارامية الثقافية الاول

"الآرامية حضارة ولغة وهوية وشعب"

 ب&#