|
مراجعة تاريخية من
القرون الأولى حتى القرن الرابع عشر
في قضيّة شعبنا
الآرامي المسيحي
1)
المقدمة:
لعله من الأهمية بمكان، أن نعود أدراجنا الى قول
"هوبل" في تعريف تاريخ الشعوب و كيفية تحريف هذا التاريخ و تزييفه، و
الذي ُنشر في مجلّة آرام في العدد رقم (5) تحت عنوان " سريانية
لبنان" لمدى توافقه اليوم، مع تاريخنا اللبناني.
يقول المؤرخ البريطاني هوبل " اذا أردت أن تلغي شعباً،
تبدأ أولا بشلّ ذاكرته، ثم تلغي كتبه و ثقافاته و تاريخه، ثم يكتب له طرف آخر
كتبا أخرى و يعطيه ثقافة أخرى و يخترع له تاريخاً آخر... عندها ينسى هذا
الشعب من كان و ماذا كان و العالم ينساه أيضاً..." لماذا القراءة التاريخية:
لأن الشعوب التي لا تحافظ على تاريخها يكون مصيرها الأكيد الزوال. و نسيان
الماضي يؤدى إلى فقدان المستقبل... من هنا نرى ان التجذّر في التاريخ هو
بأهمية التجذّر في الجغرافيا
إن الدراسة التاريخية هي أساس كل النشاطات الفكرية. فلا
فلسفة من دون تاريخ الفلسفة، و لا فن من دون تاريخ الفن. أما الكارثة التي
تعانيها أجيالنا فهي
فقدان الانتماء التاريخي و تزوير الهوية القومية
نتيجة التوجيه السياسي المغلوط والكتابة التاريخة المشوّهة التي عتمت على
سيرتنا الحقيقية لصالح صورة اصطناعية في خدمة أهداف سياسية قديمة حديثة، وهي
باختصار أهداف " التعريب والتذويب ". إن التاريخ هو شرط من شروط الهوية،
فالانسان بلا تاريخ، بلا هوية، كذلك المجموعات البشرية.
الشعوب التي لاتتعلم من دروس التاريخ محكوم عليها
أن تعيده...
لماذا قضية شعبنا المسيحي:
لأننا نشكو اليوم من ضياع هويتنا الحقيقية وضبابية
انتمائنا القومي الحقيقي مما ينعكس سلباً على وعينا لقضيتنا التاريخية
السريانية الآرامية الحقّة.
نحن عندما نقوم بنشاطاتنا اليومية إنما نقوم بها
بصفتنا نحمل إرثاً حضارياً و ثقافيا و اجتماعياً في عقلنا الباطن عدا عن
انتمائما الديني الصريح و التزامنا المسيحي بكنيستنا و بمجتمعنا.
أما الحرب الأخيرة منذ سنة 75 فهي بنظرنا على الصعيد
الداخلي نتيجة رفض المجتمع المسيحي للأمر الواقع بالمطلق وتفجّر هذا الرفض من
العقل الباطن الى العقل الواعي كردّة فعل على محاولات المحو و التذويب على
مدى السنين والقرون لخصوصياتنا كشعب حّي وكمجتمع حرّ. هذه المحاولات تستّرت
في المراحل المتعاقبة تارة تحت غطاء الدين وطوراً تحت غطاء الإنتماء العروبي
اللغوي أو القومي.
إنّ الوضع في لبنان ليس مجرّد "أزمة لبنانية" إنما
هو قضية لبنانية و بالأخص القضية المسيحية اللبنانية بكلّ مالها من أبعاد
سريانية قومية... فقضيتنا هي على مستوى القضية الأرمنية على سبيل المثال
أو القضية الفلسطينية، بل هي أعرق وأقدم لأنها تمتدّ بلا انقطاع منذ 1300 سنة
كما سنرى تفصيلياً... إن
النظرة "الصيغوية" للبنان تقول: إنّ الشعب
المسيحي لا تاريخ له، والشعب الذي ليس له تاريخ ليس له وجود... فلزام
علينا أن نتعرّف على شعبنا المسيحي بالعمق من جديد و ذلك بالتنقيب عن تاريخنا
الحقيقي الذي لن نجده في كتبنا المدرسية ولا حتى في كتبنا الجامعية "
الموحِّدة و الموحّدة"... من أجل الحفاظ على و جودنا كمجتمع و المحافظة
على قضيتنا كشعب و عدم خسارة أرضنا كوطن...
1)
المشرق المسيحي قبل القرن السابع:
إن موقع لبنان المميّز من الناحية الجغرافية على
مفترق طرق لثلاث قارّات و المرفأ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، قد جعل هذا
الساحل المتوسطي نقطة انطلاق للتجارة و الحضارة الفينيقية التي كانت تفتقر
للوحدة السياسية... لكن الأهم من ذلك هو كون هذا الساحل ممرّاً الزاميّاً
للفتوحات العسكرية الكبرى بدءاً بالتاريخ القديم ومروراً بالفراعنة ثم لينتقل
الثقل الى بابل فآشور فالفرس وكلهم مرّوا من هنا ولم يتركوا سوى شواهد على
صخور نهر الكلب (19 نقشا في 8 لغات). ان توحيد الأراضي المشرقية حضارياً تمّ
مع فتوحات الاسكندر الكبير المقدوني حوالي سنة 330 ق.م. شاملة مصر حتى حدود
الهند بحيث توحّد العالم المتمدّن مع تيار الفكر الاغريقي و الفلسفة الهلينية
و الحضارة و اللغة اليونانية.
حوالي سنة 64 ق.م جاءت الفيالق الرومانية لتوحّد
العالم القديم من جديد على أسس الدولة المدنية بقوانينها و أنظمتها في جميع
المناطق المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط سياسياً، عسكرياً، علمياً وقانونياً.
الظاهرة التوحيدية الثالثة جاءت مع التوحيد الديني
بالمسيحية بعد التوحيد الفلسفي الأغريقي و التوحيد القانوني الروماني. انطلقت
المسيحية من الشرق و لوّنت العالم بانسانيتها حتى توحّدت المعمورة بشرقها و
غربها. فكانت الحضارة المسيحية تجمع الشعوب في دائرة واحدة و رؤية واحدة
للأمور الدينية و من ثمّ الحضارية. ان تطوّر الحضارة في الشرق خاصة، مرّ
بمرحلتين هامتين قبل القرن السابع: المرحلة الأولى هي مرحلة الديانة
المضطَهدة بحيث تمّ انتشار المسيحية بواسطة الاستشهاد لدى المسيحيين الأوائل
الذين كانوا يرفضون عبادة الإمبراطور والآلهة الرومانية و يدفعون حياتهم
ثمناً...
وصولاً الى القرن الرابع وحكم الأمبراطور قسطنطين
الكبير الذي اعتنق المسيحية و أمر بوقف الإضطهاد صار الدين المسيحي مسموحاً
به كما وجّه قسطنطين الدعوة لعقد المجمع المسكوني الأول في نيقيا سنة
325 حيث أقرّ قانون الإيمان كما نعرفه. من يومها تمّ التأكيد على دور
الإمبراطور في حماية الكنيسة و على انتصار المسيحية بمساندة الدولة. أما
اعتماد المسيحية ديناً للدولة، فذلك لم يتمّ الاّعلى أيام الإمبراطور
تيودوسيوس الذي أصدر قانونا بتحريم الوثنية و اعتماد المسيحية ديناً
للدولة أواخر القرن الرابع قبل موته سنة 395 و تقسيم الإمبراطورية الى شرقية
وغربية بين ولديه.
إن تاريخ الإمبراطورية الرومانية الشرقية أي بيزنطيا،
ومعه تاريخ بلادنا السريانية من القرن الرابع و حتى القرن السابع هو تتابع
لأحداث من التناحر الداخلي بين البدع المختلفة و الهرطقات كذلك الإنقسامات
التي حصلت بين الغرب والشرق. و قد بدأت سياسية و تطوّرت دينية، خاصة بعد سنة
476 تاريخ الامبراطورية الرومانية الغربية على يد البرابرة.
داخل بيرنطيا حاولت السلطة الكنيسة المحافظة على التعليم
الصحيح أي الأرثوذكسية والقضاء على البدع بمؤازرة السلطة الإمبراطورية. هذا
السعي للحفاظ على وحدة الكنيسة، كان يتمّ تارة بواسطة المجامع المسكونية
المتلاحقة التي كانت ترمي الحرم الكنسي على هذه البدع من آريوسية و غيرها، و
معاقبة أصحابها بواسطة الأوامر الإمبراطورية بالنفي والاضطهاد بمختلف
الوسائل الاجتماعية و الاقتصادية والعسكرية...
إنّ ما ترتّب من نتائج لسيادة فكر الطبيعة الواحدة
وانفصال أتباعها عن الكنيسة الشرقية الجامعة لم يكن انفصالاً أو استقلالاً
كنيساً فحسب بل كانت له نتائج سياسية انعكست على مسار الشعوب المشرقية كافة:
فالإضطهاد الذي مارسته الإمبراطورية البيزنطية على أصحاب الطبيعة الواحدة سبب
بغضاً عندهم . و كانوا بالتالي عوناً عليها لكلّ عدوّ أو و محتلّ و تسهيل
دخوله إلى المنطقة المأهولة بأكثرية سكانية منهم.
كما أن الوضع في سوريا و بلاد ما بين النهرين و فلسطين
و مصر كان وضعاً ضعيفاً جداً بسبب الغارات الفارسية المتتالية عليها خصوصا
الغزو الفارسي الأخير الذي سبق الفتح العربي مباشرة و الدمار الذي سببه في
سائر المدن مما أفرز حالاً من الضعف العام سياسيا، اقتصادياً في أرجاء
الإمبراطورية الرومانية الشرقية أى بيزنطيا. زد على ذلك أن حلفاء البيزنطيين
في بلاد الشام من القبائل المسيحية الغساسنة كانوا في السنوات الأخيرة
من القرن السادس في حالة استياء كبير حتى انقلبوا ألدّ أعداء للمملكة
البيزنطية خاصة بعد نفي زعيم الغساسنة المنذر بن الحارث إلى صلقية عام 581...
على الصعيد الداخلي، فان البلاد الجبلية الللبنانية قد
تأخّرت في الانضمام الى المسيحية، رغم وجود جاليات مسيحية في المدن الساحلية
منذ أيام الرسل. فهياكل بعلبك قد شيّدت لآلهة الشمس الوثنية في أواخر القرن
الثاني و لم يعط التبشير المسيحي ثماره إلاّ ابتداء من القرن الخامس... في
هذا العصر عاش القديس مارون على قمّة جبل في جوار انطاكية و مات سنة
410 بعد أن ذاعت سيرته القديسة بحيث تمّ بناء دير مار مارون الشهير
على قبره على الشاطئ الأيمن من نهر العاصي بين حمص و أفاميا الذي أصبح مركز
اللتبشير والهداية...
كما تعرّض الموارنة لمضايقات الحكم البيزنطي الذي
لم يقبل باستقلالية كنيسة الموارنة عن كرسي القسطنطينية، فالتجأ عدد
كبير من الرهبان و رجال الكهنوت الى شمال و وسط لبنان و عممّوا المارونية
فيه مع الهجرة الأولى بين القرنين الخامس و السادس. هذا الإضطهاد الذي تسبب
به الترجرج في السياسة البيزنطية نتيجة الميول المتعاقبة و المتعاكسة لدى
حكام بيزنطيا، قد قابله توجّه رهبان الموارنة إلى الكنيسة الغربية المتمثّلة
ببابا روما لطلب الدعم المعنوي خاصة بعد المجمع المسكوني الرابع خلقيدونيا
سنة 451 و اعتراف الموارنة به و ثبات كنيسة روما عليه بعكس السلطات الكنيسة و
الزمنية القسطنطينية.
الإتصال الأول بين الموارنة و الكرسي البابوى يرجع إلى
سنة 517 حيث رفع تلاميذ مارون عريضة الى البابا هورميزاد في روما
معلنين التزامهم بتعاليم المجامع المسكونية وخاصة "المجمع الخلقيدوني"
مما عرّضهم للإضطهاد من قبل أصحاب الفكر الآخر..
3)
الفتح العربي المسلم: مفصل مصيرى في
تاريخنا المشرقي
إن الأمر الذي يلفت الانتباه قبل كل شيء في تاريخ الجزيرة
العربية هو عدم دخول أي غزو منظّم إلى داخل هذه المنطقة الصحراوية... بحيث
كان التناقض واضحاً بين الهلال الخصيب شمالا و الجزيرة العربية جنوباً:
الطبيعة الصحراوية في الجزيرة و طبيعة المنطقة المحيطة في الشمال الخضراء
ولدّت عنصر التناقض الطبيعي. الكثافة الحضارية في المناطق الشمالية و الركود
الحضارى في الجزيرة ولّد التنافس الحضاري. أما الواقع الديني المتقدّم في
المناطق الشمالية الذي يقابل فراغاً دينياً بالجزيرة فقد ولّد التناقض
الدّيني الذي منه انطلق الإسلام في الجزيرة أولاً، و منها إلى الخارج ثانياً.
أتى الإسلام في الجزيرة مطوّراً و موحّدا. التطوير كان تجاه التخلف الاجتماعي
و السياسي، فكان منظّماً للعلاقات الاجتماعية عامة و العائلية خاة. التوحيد
كان للقبائل العديدة المتصارعة فيما بينها...
وبمجرّد نشوء الاسلام في الجزيرة العربية، كان للعروية
معنى وجودي يعطيها اشارة الوثوب والإنطلاق. فالعروبة قبل الإسلام لم تكن
إحساساً قومياً مميزاً، فالقبائل التي تكلمت
اللغة العربية كانت مقسومة الإنتماءات، فمنها الموالية للحكم الفارسي
والمجنّدة له كقبيلة بني منذر ومنها القبائل المسيحية المنتمية
للبيزنطيين كالغساسنة. أما القبائل الباقية المنتشرة في بقع أخرى من
الجزيرة فلم يكن عندها أيّ حسّ لانتماء قومي معيّن. الإنتماء الوحيد كان
الانتماء القبلي.
عندما أتى الاسلام، أحدث ثورة على الواقع في الجزيرة، فهو
لم يكن مجرّد دين كديانات الشعوب القديمة، بل أتى من خلال رؤية جديد شاملة
كليّة و موحّدة للعالم.
أعطى الاسلام للعروبة الرّوح فوُجدت و أعطت
العروبة للإسلام الجسد فنهض. إن التضامن العربي يجد أساساته في الإسلام:
فالمؤمنون يؤلفون أمّة النبي و هم "أفضل أمة أخرجت للناس. لأن الدين عند
الله الإسلام. كما أنزل عليهم قرآناً عربياً" و الموضوع واضح عند المسلم،
هناك المؤمنون من ناحية و الكفّار من ناحية أخرى. من هذه الحقيقة
الأساسية، أبصرت القومية العربية النور، فكان لها هدف أوسع من أهداف القوميات
الأخرى، فبدل الإستقلال و الدفاع عن هذا الإستقلال، نجد هدف القومية العربية
مندمجاً مع هدف الاسلام: "الانتشار في المعمور والجهاد من أجل فرض
ارادة الله".
إن الاسلام كفكرة هو أوسع بكثير من العروبة. فالتضامن
الإسلامي يعتمد على المبادىء الدينية الإسلامية، أما التضامن العربي فيعتمد
على المبادىء الواقعية و التاريخية. كما أننا نصادف شعوباً إسلامية غير
عربية،
أما من حيث المبدأ فلا وجود لشعوب عربية غير اسلامية...
اذا أردنا أن نحدد المعركة الفاصلة في تاريخنا المشرقي
نستطيع القول انها كانت
معركة اليرموك في 15 آب 737. فبعد أن سقطت
دمشق نتيجة حصار ستة أشهر في أيلول 635 توجهت الجحافل في عملية التفاف للوصول
الى الساحل المتوسطي وتمّت المواجهة الكبرى مع الأمبراطورية البزنطية
المرهَقة بسبب الحروب المتواصلة ضد الفرس على الجبهة الشرقية بقيادة الملك
هرقل باسيليوس البيزنطي. بينما المدّ الجارف من الجيوش المسلمة ملتهبة
بالجهاد و خارجة من الصحراء الجنوبية بقيادة
خالد بن الوليد.
أما عن كواليس هذه المعركة على ضفاف نهر الأردن، فإذا
صدّقنا رواية المؤرخين العرب، نجد أن الحلفاء الغساسنة بقيادة جبلة
بن الأيهم الذين كانوا يؤلفون عدد ثلاثين ألفا من أصل مئة ألف بيزنطي
انحازوا في آخر ساعة الى المهاجمين المسلمين، مما قرّر مصير بلاد الشام كلها
للقرون التالية.
إن التحليل الموضوعي لانقلاب التحالف لدى هذه القبائل
ينبئنا بعدم وجود أبعاد قومية عربية كما يحلو للمؤرخين العرب المناداة بها:
إذ أنّ موقف هذه القبائل ليس له أبعاد قومية أكثر من موقف الجماعات المسيحية
المنشقّة عن الكنيسة الأرثوذكسية والتي رحّبت بالفتح الاسلامي كسبيل للانتقام
من بيزنطيا... هذا على الجبهة الشمالية، أما على الجبهة الشرقية فان الجبّار
الفارسي وجد نهايته سنة 637 في معركة القادسية التي فتحت الطريق أمام
الإحتلال الإسلامي لبلاد العراق و بلاد فارس خاصة بعد
معركة نهاوند
سنة642...
لكن المواجهة هذه المرة في مناطق المشرق المسيحي أصبح
بين تياّرين متواجهين، فالإسلام والمسيحية ديانتان، ولكنهما حضارتان أيضا
ورؤيتان شاملتان مختلفتان لايستطيع تيّار استيعاب الآخر دون تذويبه. إن أهم
نقطة افتراق بين المسيحية و الإسلام تكمن في مايختص بالسلطة السياسية: إن
المسيح بشّر
"بإعطاء مالقيصر لقيصر ومالله لله" فمبدأ فصل الدين عن
الدولة سهل جدا. أما الإسلام فهو يطرح نظاما شاملا للدين و الدنيا وينظّم
العلاقات الاجتماعية والعائلية و السياسية و القضائية... فمنذ البداية الله
الله هو القيصر والخليفة المسلم هو "الحاكم بأمرالله". من هنا نفهم خطورة
الكلام القائل: بأن الاسلام دين و دولة، بحيث يصبح دين الدولة...
في الفتوحات العربية كان للدين دور فعّال: فهذه
الفتوحات كانت تعبيراً ليس فقط عن الدين الاسلامي ولكن الأهم تعبيرا عن وحدة
الشعوب العربية تحت راية الإسلام... وهنا يطرح
السؤال ماذا حلّ بسكان المشرق المسيحيين الذين يعدّون بعشرات الملايين تجاه
الجيوش المسلمة التي لا يتجاوز عددها مئتي ألف رجل ولاتستطيع السيطرة على
منطقة واسعة تنتمي للحضارة
الغريكو- لاتينية- آرامية المسيحية.
الجواب إن الفتح العربي المسلم قد حقّق في وقت قصير جدا نسبياً نصراً
مزدوجاً: النصر الأول حقّقه بالقوة العسكرية بحيث ربح معارك فاصلة محتلاّ
مناطق شاسعة. والنصر الثاني تحقّق بحملات التعريب و التذويب الباكرة لمختلف
الشعوب التي كان يصل إليها الفتح بحيث أصبحت هذه الشعوب
دافعا و وقوداً للمزيد من الإحتلالات و
الإنتصارات. فالإنتشار العسكري الهائل جغرافياً منذ المراحل الأولى تمّ بفضل
ابتلاع هذه القوة البشرية العددية الجبّارة التي تمّ تحويلها لتخدم الإسلام و
العروبة وتسانده و تردّ عنه الضربات: أبلغ مثال على ذلك هو انتصار طارق بن
زياد في الأندلس بجيش مؤلف من أكثرية مطلقة من الشعوب الإفريقية الشمالية
و المغربية التي لاعلاقة لها بالتراث العربي و الإسلام سوى علاقة الإحتلال و
الإستعمار...
إن سيطرة الجيوش العربية الفاتحة باسم الإسلام على المدن
والشعوب الأكثر تمّت بواسطة ما يلي:
1-
إمّا التخلّي عن الدين "الكافر"
واعتناق الإسلام: وهو كان خيار أكثرية
الشعوب المغلوبة على أمرها بحيث ذابت دينياً في الدين الاسلامي الفاتح.
2-
إمّا القبول بالوضع الذمّي تحت
نير الحكم الإسلامي: مما يعني العيش في
درجة ثانية من المواطنية و التخلّي عن الحقوق السياسية و الاجتماعية و
الثقافية، عكس ماتريد الدعاية اقناعنا به من تسامح الحكم الاسلامي...
3-
إمّا
التفريغ و التهجير: هذا الوضع كان من نصيب
الشعوب المسيحية التي تراجعت إلى بعض المناطق للمحافظة على وجودها الحّر و
المقاومة لبلورة الكيان. من أمثال ذلك سريان العراق المسيحيين وشعوب الأقباط
المصرية. أما في جبل لبنان فقد سمح الوضع الجغرافي لطبيعة الجبال المنيعة و
التواصل عبر شاطىء البحر لبلاد الغرب المسيحي بتكوين أطر اقتصادية للإستمرار و
الإستقلال.
إن الإحتلال والإستعمار الاسلامي مرّ بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى:
وهي حقبة الفتوحات المادية حيث كان العنصر العسكري
والجغرافي هو الأهمّ.
المرحلة الثانية:
وهي حقبة الفتح الديني التي دامت قروناً ومارافقها من
اضطهادات (كالشروط العمرية.
المرحلة الثالثة:
مرحلة الفتح الثقافي وانتشار اللغة العربية وسيادتها على كل أرجاء
الإمبراطورية العربية الاسلامية. هذه المرحلة كانت الأبطأ في سيرها لأن الأمم
المغلوبة لم تتكلم العربية إلاّ عند نهاية العهد العباسي. و المقاومة اللغوية
في جبل لبنان استمرّت حتى أواخر القرن الثامن عشر...
و هكذا عودة الى عام 650 أى بعد 11 سنة من موت محمد، كان
المسلمون يحتلّون كل بلاد الشام و قسما من آسيا الصغرى و فلسطين و مصر و قسما
من أفريقيا. و تراجعت الجيوش البيزنطية المسيحية شمالا إلى حدود سفوح جبال
قيليقيا حيث استطاعت مقاومة المدّ تدعمها الميليشيات الأرمنية الشعبية. مع
احتواء الحملة العسكرية الاسلامية شمالاً ضد بيزنطيا و انتهائها شرقاً ضد
الفرس و جنوبا ضد البيزنطيين في مصر و الشاطىء الافريقي، ارتدّ الحكم
الاسلامي لتصفية جيوب المقاومة داخل المناطق التي فتحها، مما يوصلنا الى مفصل
الحكم الذاتي المسيحي في جبل لبنان خلال الحكم العربي الإسلامي وصلاً
الى القرن الرابع عشر.
4)
المقاومة المسيحية التاريخية: حرب
السيادة وحرب الهوية.
إن الفتح العربي الاسلامي أفرز واقعين في الشرق:
-
ثنائية قومية وحضارية
ناتجة عن تواجد إسلام عربي مسعتمر ومسيحية سريانية متأصلة على أرض واحدة.
-
أمة لبنانية مستقلّة
في جبال لبنان تجسّدت بوطن قومي مسيحي اتسعت رقعته أو انكمشت تبعاً للاحداث.
-
هذه الأمّة اللبنانية جاءت وليدة
الهجرة المارونية الثانية الى جبال لبنان و التحام الشعب الماروني السرياني
مع الشعب السرياني المقيم بحيث تركّزت دعائم
هذه الأمّة جغرافياً حول الجبال اللبنانية، انسانياً و قومياً حول الموارنة
الذين شكّلوا فيها الجسم الأساسي، عسكرياً حول المَرَدة الذين شكّلوا
جهازها الدفاعي العسكري. وكنسياً حول الكنيسة المارونية التي جسّدت خصوصية
الهوية القومية...
الحكم الأموي (661- 750):
إن حكم معاوية بصفته الخليفة الأموي الأول في دمشق كان
الوجه الأول لصراع الشعب الآرامي المسيحي في جبل لبنان والمحيط العربي
المسلم. ان معاوية بعد فشل حملته البحرية على القسطنطينية لمدة سبع سنوات،
وبعد فشل الهجمات البرّية على مقاطعات آسيا الصغرى اضطرّ الى عقد معاهدات مع
ملك بيرنطية قسطنطين الرابع اللحياني سنة 679 بحيث تعهد معاوية بدفع غرامة كل
عام. و ذلك بعد أن قامت قوات المردة بمساندة قوات المردة البيزنطيين بمعارك
متواصلة وعنيفة، ركّزت من ورائها أوسع حدود لدولة المردة بحيث شملت
اللاذقية شمالا الى مشارف حماه وحمص شرقا والى مشارف القدس جنوبا. نجد
اذاً معاهدة تقليدية نتيجة حرب تُقام بين دولة المردة المدعومة من الدولة
البيزنطية و الدولة الأموية العربية من جهة ثانية. و قد يكون خوف معاوية من
ثورة المردة في جبل لبنان و امتدادها الى بلاد الشام هو السبب في حسن معاملته
للمسيحيين في دمشق التي كانت تحت رحمة هجمات المردة.
" منذ ذلك الحين بدأ الجبل اللبناني بالظهور على
المسرح السياسي في هذا القسم من العالم. هذا الجبل اللبناني بقيادة الموارنة
وركائزه الجغرافية هي جبّة بشرّي، بلاد جبيل وبلاد البترون"
(ف حتّي)
وفي سنة 685 و على أثر تعاظم قوة الدولة اللبنانية طلب
عبد الملك بن مروان من يوستنيانسوس الثاني أن يبرم اتفاقية جديدة للحل على
شرط توقّف غارات المردة من لبنان. و من ثم تمّ سحب فرقة المردة البيزنطية
بحراً بحيث تمّ فصل الإلتحام بين الدولة اللبنانية و بيزنطيا. هذا النزف الذي
قدّره المؤرخ تيوفانوس بما يقارب 12 ألف عسكري أدّى الى "
سقوط
الجدار النحاسي" ممّا أضعف كثيرا الإمبراطورية البيزنطية نفسها و قوة
التواجد المسيحي في الشرق للمرة الثانية بعد الخسارة الأولى و الانسحاب في
معركة اليرموك (حسب المؤرخ تيوفانوس)
المقاومة الثقافية واللغوية
على الصعيد الحضاري و الثقافي فان المعاملات الادارية
عند الأمويين كانت تصدر بالآرامية واليونانية من رسائل ولوائح ضرائب وجباية.
و العملة كانت تحمل كتابة يونانية وبقيت بعض الوقت
تُصكّ في دمشق و عليها علامة الصليب حتى أيام الخليفة عبد الملك بن مروان.
هنا كان للاستعمار العربي المسلم أساليب أخرى أخطر بكثير هي
الاستعمار
الثقافي واللغوي بحيث أصدر الخليفة عبد الملك بن مروان (685- 705)
إصلاحات أساسية ابتداء من سنة 696:
أولا-
اعتماد اللغة العربية في كل المعاملات داخل الأمبراطورية العربية بدل
السريانية واليونانية والفارسية، مما دفع بالنهضة الفكرية في كل المناطق من
ترجمة وتبادل ثقافي في اللغة العربية.
ثانيا-
اعتماد صكّ للعملة الاسلامية بدل العملة البيزنطية.
هذان ا |