|
الرد
على مقالة
" آرامية ، سريانية ، ام آشورية
"
نشرت
مجلة:"The Assyrian،المثقف الآثورى"
مقالة بعنوان: " آرامية ، سريانية ، ام آشورية
"
هنري بدروس كيفا
باريس - فرنسا1992
لقد دهشت
وذهلت جداً , بالواقع
لدى
مطالعتي مقالة تاريخية بعنوان " آرامية , سريانية أم آشورية " ربما إنني
أهتم
كثيراً
بتاريخ أمتي السريانية – الآرامية , فقد قرأت هذه المقالة عدة مرات , ليس
أهميتها
العلمية , بل لكثرة الأخطاء التاريخية التي تتضمنها . لذلك لن أفشي سراً
إذا قلت
بأنني كنت سعيداً لما طلُب مني الرد على هذه المقالة , تاركاً الحكم على
ردى هذا
للمؤرخين والباحثين والمثقفين من القراء الأعزاء
...
من المؤسف
حقاً أن
صاحب
المقالة المذكورة , يهمه بالدرجة الأولى , أن يوجه رسالته إلى " فئة " معينة
من القراء
بهدف " تثقيفهم " أي إعطائهم معلومات جديدة و " صحيحة " عن تاريخ الأمم
القديمة .
والشيء الجديد وغير الصحيح , بأن الملاحظ في هذه المقالة , هو أن كاتبها
يحاول بكل
الوسائل أن يبرهن بأن اللغة الآشورية القديمة لم تمت , وبالتالي الشعب
الآشوري
لم ينقرض , وخاصة أنه لا يعترف بوجود شعب سرياني آرامي , وبأنه لا يعترف
حتى بوجود
لغة سريانية – آرامية . وبالطبع هذه الفكرة الراسخة في ذهن كاتب المقالة
هذه ,
تجعله يقع في عدة أخطاء تاريخية جسيمة سوف أعرض لها محاولاً تصحيحها وتصويبها
, من أجل
الحقيقة التاريخية العلمية , لا غير
.
قبل كل
شيء , أحب أن أذكر هنا "
السياسية
الميكيافلية " التي اعتمدها كاتب المقال , والتي ليس لها دين أو مذهب أو
رائحة أو
لون , وبالتالي فأن " كل الوسائل " مباحة في سبيل تحقيق الهدف السياسي
المطلوب.
انطلاقاً من هذا المبدأ , يحاول صاحب المقال أن يؤكد الأمور التالية
:
أولاً : إن التسمية السريانية أطلقها على الشعب
الآشوري وبالتالي فإن السريان
آشوريين
.
ثانياً : لا يوجد شعب آرامي إذ يقول " لقد كان
اليهود يطلقون كلمة
آرامي على
الشعوب الأخرى مثلما كان الإغريق يسمون الشعوب غير الإغريقية بـ
"
البرابرة " .
-2-
ثالثاً : لا يوجد لغة آرامية في سوريا مغايرة
للغة
التي كان
يتكلم بها الآشوريون والبابليون
.
رابعاً : إن ما قيل عن صراع الآشورية
مع
الآرامية وهزيمة اللغة الآشورية هو محض خيال
.
خامساً : إن الآشوريين
والكلدانيين المعاصرين , يتكلمون اللغة الآشورية القديمة ولكن مع بعض التغيير
ومن
هذا نستنتج إن
اللغة الآشورية لم تنقرض ولم تتخل عن موقعها لأية لغة أخرى وإن
" اللغة
السريانية " هي امتداد للغة الآشورية البابلية ذاتها
.
سادساً
: حروف
الأبجدية هي من ابتكار الآشوريين أيضاً لا من ابتكار الفينيقيين كما يزعم
البعض
.
سابعاً : الأدب السرياني يجب أن يسمى بالأدب
الآشوري ...
لقد
تخلى عدد
, لا يستهان به , من السريان الشرقيين عن التسمية السريانية وذلك لأسباب
عدة أهمها
" الجهل " الذي سيطر على الشرق , خلال الحكم العثماني , ثم
الانتماء
الكنسي الطائفي , الذي تحول في أيام العثمانيين إلى مفهوم " الكنيسة
" الملة "
الشعب " . عندما انضم قسم كبير من السريان النساطرة إلى الكنيسة
الكاثوليكية , أطلق لقب بطريرك بابل على رئيسهم الديني , وفيما بعد صار
النساطرة
الكاثوليك
يعرفون بالكلدان . أي أن تسمية الكنيسة الكلدانية أُطلقت على السريان
الشرقيين
, الذين قبلوا الكثلكة في أوائل القرن السادس عشر ! لذا فأن أبناء هذه
الكنيسة
الحبيبة لم يتنكروا للتسمية القديمة السريانية , ولم يشوهوا أسم اللغة
الآرامية
التي حافظوا عليها ألوف السنين . أما السريان النساطرة , وبسبب عامل الجهل
الذي كان
مخيماً عليهم وذلك لسكنهم في مناطق جبلية وعرة المسالك , فقد قام الإنكليز
والأميركان في أواخر القرن التاسع عشر في إرسال البعثات العديدة " لمساعدة "
أبناء
هذه
الكنيسة . يرجح أن الإنكليز(1) هم أول من أطلق التسمية "
الآشورية " على
السريان
النساطرة . هذه التسمية الجديدة , يحاول دعاة القومية الآشورية أن
يطلقوها
ويعمموها على كل المسيحيين في الشرق
.
في عام
1935 , صدر ليوسف مالك
كتاب
بالإنكليزية هو " الخيانة البريطانية للآشوريين " , جاء فيها : " رغم أن
الآشوريين
يمثلون " أمـة " واحدة , وإنهم الورثة الحقيقيون للإمبراطورية العتيدة
, إلا
أنهم منقسمون مذهبياً إلى خمس طوائف دينية ... هي النساطرة – الكلدان –
السريان
الكاثوليك
– الموارنة – اليعاقبة " . ثم يذكر : " ... إن ملاحظة بسيطة
تكفي لتدل
على ما سبق , إن السلطات فيما إذا تناول حديثها طائفة اليعاقبة أو
كنيسة
اليعاقبة مثلاً , فأنها لم تكن توحي بوجود قومية يعقوبية
" .
مشكلة
القوميين
الآشوريين اليوم , أنهم رغم كل التقدم العلمي في دراسة تاريخنا القديم
, لا
يزالون " يشوهون " عن قصد وتصميم التاريخ الحقيقي لشعبنا وذلك لخدمة
قضيتهم
الآشورية التي لا تمت إلينا إطلاقاً عن قريب أو بعيد . الأيام تثبت لنا
أن
الحقيقة أقوى من الخيال وأن التاريخ العلمي أقوى من التاريخ السياسي المزيف
. طبعاً
الموارنة لم يسمعوا أبداً أنهم أبناء الأمة الآشورية ! كذلك السريان الغربيون
والسريان
الشرقيون . إذ انخدع قسم من النساطرة بالسياسة الإنكليزية الاستعمارية
في الماضي
, فهذا لا يعني أننا يجب أن نكون مخدوعين
! .
-3-
إذا كانت
الكنيسة اليعقوبية , لا توحي بوجود قومية يعقوبية فذلك يعود
إلى سبب
بسيط , وهو أن الكنيسة اليعقوبية كانت تؤلف جزءاً كبيراً مهماً من الشعب
السرياني
, وإن أبناء الكنيسة اليعقوبية ( السريان الأرثوذكس اليوم ) كانوا يشعرون
في الماضي
كما اليوم , إنهم أبناء الأمة السريانية – الآرامية وهذا واضح في كل
المؤلفات
التي تركها لنا الأجداد . لا شك أن بعض السريان اليوم قد هجروا التسمية
السريانية
– الآرامية وذلك بسبب المقالات والأفكار غير الصحيحة التي يبسها القوميون
الآشوريون
في سبيل سياستهم الخاصة
.
إن صاحب
المقال بدل من أن يتأكد من
المعلومات
والأفكار التي تدعي أن " السريان هم الآشوريون " , كان بالأحرى أن يتأكد
من
التاريخ الآشوري الحقيقي
.
إليكم
الآن بعض المغالطات والأخطاء التي
أرتكبها
صاحب المقال :
أولاً : التسمية
السريانية
.
في الصفحة
الأولى يطرح
صاحب
المقال السؤال التالي : " هل بين الشعوب السامية شعب عرف بإسم الشعب
السرياني
؟ ومن أين جاءت هذه التسمية ؟ " , ويجيب صاحب المقال بتسرع لينفي وجود شعب
إسمه
الشعب السرياني مستنداً إلى ما ذكره المؤرخ هيرودوت : " إن جميع الشعوب
البربرية
تُسمي هذا الشعب بالآشوريين
"Assyrians "
إلا أننا نحن
الإغريق نسميهم
سرياناً
" Syrians "
فكلمة سريان ليست
سوى تسمية يونانية للشعب الآشوري " . فإذا
كانت هذه
النتيجة التي توصل إليها صاحب المقال , فإننا نقول بأن هناك عدة آراء حول
مصدر
التسمية السريانية , ولكن الرأي العلمي الغالب هو تسمية
" Syrians "
قد اشتقت
من كلمة
"Assyrians "
ولكن هذا لا يعني
أبداً بأن السريان هم آشوريون , وذلك لما
يلي : إذ
معلوم لدى كل الباحثين والمثقفين بأن السريان قديماً يسمّون
:
بالآراميين , وقد دخلوا حلبة التاريخ في القرن الثاني عشر قبل المسيح ومن
المعلوم
أنهم سيطروا على بلاد عمورو ( سوريا ) وبيت نهرين ( الجزيرة ) وحتى على
أجزاء
عديدة من بلاد بابل وهذا ما عُرف في التاريخ بـ " الغزاوات الآرامية
" وقد
استطاع الملك الآشوري تغلت فلأ سر الأول 1116 – 1.76 ق.م. أن يوقف تلك
الغزاوات
الآرامية
, مخلفاً وراءه لنا كتابات عديدة منحوتة تتحدث بعجرفة وكبرياء عن
انتصاراته
تلك على الآراميين غير أن خلفاءه من الملوك كانوا ضعفاء مما
سمح
للآراميين أن يؤلفوا عدة ممالك صغيرة في بيت نهرين ( الجزيرة ) وفي عمورو
)
سوريا ) . وفي
أوائل القرن التاسع ق.م. بدأ الملوك الآشوريين بالتوسع نحو الغرب
وذلك من
أجل السيطرة على طرق المواصلات وفرض الضرائب , فاصطدموا بالدول الآرامية
الصغيرة
واستولوا عليها الواحدة تلو الأخرى , إلى أن سقطت أخر دولة في بيت نهرين
وهي مملكة
بيت عديني(3) وذلك سنة 855 ق.م. هذا التوسع الآشوري أقلق
الدول
الآرامية
الموجودة في بلاد ما وراء النهرين (سوريا ) فعمد ملك دمشق الآرامي " حداد
عدري "
ومعناه في اللغة الآرامية " الإله " حداد مساعدي , إذ عمد الملك إلى تشكيل
اتحاد يضم
الدول الآرامية والمدن الفينيقية وذلك في سبيل وقف الزحف الآشوري ورده
على
أعقابه , كما جرى في معركة قرقر (4) 853 ق.م. وفي السنوات
اللاحقة 849 ق.م
و 845 ق.م.
-4-
لقد وجدت عدة
نصوص آرامية في منطقة " سفيرة " قرب حلب وهي تخبر عن هذه الاتحادات
. هذه
النصوص يعود تاريخها إلى أواسط القرن الثامن , وقد ورد فيها اسم " آرام
العليا
وآرام السفلي " وخاصة تسمية " كل آرام
" .
المهم أنه بعد مقاومة
آرامية
شديدة تمكن الآشوريون من القضاء على مملكة دمشق وذلك في
سنة 732
ق.م.
وضموا هذه البلاد إلى الإمبراطورية الآشورية . لم يدم الاحتلال الآشوري لبلاد
سوريا ,
إلا حوالي 12 سنة وذلك بسبب سقوط الدولة الآشورية على أيدي الكلدانيين
–
الآراميين ( في بلاد بابل ) والميديين في سنة 612 ق.م. و 6.9 ق.م.
الجدير
بالذكر
هنا بأن الملوك الآشوريين , قد تركوا كتابات ووثائق عديدة , عن هذه الفترة
ولكن لم
يرد في أي منها , ولا مرة , لفظة " سوريا " وهذا يعني بأن اسم سوريا لم يطق
على بلاد
آرام أو على بلاد امورو أي
" الغرب "
وهي التسمية الآكادية القديمة
. لا بل
أننا نلاحظ إن الكلدانيين 612 – 539 ق.م. قد استعملوا تسمية " حاتي
" ليشيروا
إلى بلاد سوريا , فالملك نبوخذ نصّر يقول : " أن حكام بلاد حاتي الواقعة
بين نهر
الفرات وحتى بلاد غروب الشمس قد جلبوا خشب الأرز من جبل لبنان إلى بابل
" . ونرى
أيضاً الملك نبونيد قد استعمل نفس هذه التسمية " حاتي " ليعني بها سوريا
(7)
ومن
المعلوم أن تسمية حاتي كانت تستعمل في القديم للدلالة على ممالك الحثيين في
شمال
سوريا . إنني أود أن أُضيف هذه المعلومات المهمة حتى أطرح بدوري هذا السؤال
: " هل
يحق لنا أن نطرح تسمية " حثيين " على سكان سوريا القدماء
المعروفين
اليوم بإسم السريان الآراميين ! ؟
" .
معظم
الوثائق تشير إلى أن
اليونان
هم الذين استعملوا تسمية " سوريا " والأرجح إنهم أخذوا هذه التسمية من
الفرس
الذين كانوا يطلقون إسم " أسورستان " أي بلاد آشور على المناطق التي استولوا
عليها من
الدولة الكلدانية . ولكن يجب أن نمييز بين تسمية " آشور " القديمة وهي تقع
على نهر
الدجلة شرق النهر ويجدها جنوباً نهر الذاب الأصغر , وبين
التسمية
الإدراية " أسورستان " التي أطلقها الفرس 539 – 332 ق.م. على البلاد التي
استولوا
عليها مؤخراً في الغرب وأطلقوا عليها " المرزبانة الخامسة " وكانت تتألف من
بلاد بابل
وبلاد آشور وبيت نهرين وبلاد ما وراء النهر
(سوريا)
وفلسطين وحتى جزيرة
قبرص . لا
أحد ينكر بأن سكان بلاد آشور القديمة كانوا من الشعب الآشوري , ولكن
اليوم لا
يوجد أي مؤرخ (8) يدعي بأن سكان " أسورستان " هم جميعاً من
الشعب الآشوري !
؟
.لقد ترك
الفرس عدة كتابات تعدد أسماء الولايات التي كانت تشكل
الإمبراطورية الفارسية القديمة , في هذه الكتابات كتابة بهستون وبرسوبوليس
وشوش ونقش
الرستم , وإننا نلاحظ بأن جميع هذه الكتابات قد استعمل تسمية
"
أسورستان "(9) وذلك للدلالة على بلاد بابل وبلاد آشور وبلاد
ما وراء النهر وبيت
نهرين .
ويظهر أنه فيما بعد أصبحت بلاد بابل تؤلف مرزبانة ( ولاية ) منفصلة عن
أسورستان
, وهذا حتى يتأكد القارئ بأن تسمية " أسورستان " هي تسمية إدارية
تتسع
وتضيق لأنها لم تكن تعني أبداً وحدة أثنية أو قومية
.
-5-
ربما لهذا
السبب إننا نرى العهد القديم بقي متمسكاً بالتسمية القديمة أي بلاد عبر
النهر (
سفر عزرا 4 و 1. ) لا بل وجدت بعض النقوش الفارسية عن
حاكم بلاد
عبر النهر وكيليكيا (10)
.
الجدير بالذكر أن اللغة الفارسية الرسمية قد
استعملت
تعبير " الشعب الآشوري " في كتابة شوش وهي تقصد الشعب الموجود في سوريا
( الآرامي
) بينما الترجمة الآكادية لهذا النص تستعمل الشعب الساكن في عبر النهر (11)
.
لم يعد
سراً إذا قلنا بأن اليونان قد أخذوا إسم " أسورستان " الإداري من
الفرس
وليس من الآشوريين , والدليل على ذلك في اللغة الفارسية القديمة كان حرف " أ
" يسقط
أمام الحروف الساكنة , وهكذا صارت كلمة " أسورستان " تلفظ " سورستان
" (12)
وقد حفظت لنا
المصادر العربية لفظة " سورستان " (13) كذلك في اللغة
الأرمنية
, لا تزال لفظة " آسوري " تطلق على الآشوريين القدامى وعلى سريان اليوم
. بالنسبة
إلى الأرمن مار أفرام هو " آسوري " أي سرياني وليس " آشورياً " كما يحاول
البعض
استغلال عدم إدراك مصدر التسمية السورية
.
كان من الطبيعي على هيرودوت
, أن يعمد
إلى استعمال إسم سريان , لأنه كان الإسم الفارسي الذي يطلق على المنطقة
. وهذا ما
أوقع المؤرخين والجغرافيين اليونان في أخطاء عديدة من حيث موقع آسيريا
القديم
.
من المؤسف
حقاً بأن عدداً كبيراً من السريان اليوم يعتبرون أنفسهم
متحدرين
من الشعب الآشوري , لا بل يحاولون أن يجعلوا هذه التسمية السريانية
مرادفة
للتسمية الآشورية , بحجة أن هيروديت قد كتب بأن اليونان يطلقون تسمية
السريان
على الآشوريين ! لقد قدمت عدة أدلة على أن " أسورستان " هي تسمية إدارية
فارسية
لا تحمل أي صفة قومية . إنني أتمنى على الذين يعتبرون بأن كلمة أو تسمية
" آشوري "
قد أطلقت على سكان بابل وبيت نهرين وسوريا وفلسطين منذ عهد الآشوريين
القدامى ,
أطلب منهم أن يقدموا لنا نصاً آشورياً واحداً ترد فيه تسميت " آشوريين
" بمعنى
يشمل سكان الشرق القديم
...
بالطبع
إنني لن أنتظر جوابهم الذي لن يأتي
وسوف
أُكمل بُحوثي , خاصة فيما تركه لنا آباؤنا وأجدادنا من وثائق وكتب تاريخية
. إذا كان
بعض السريان يشكون في ولائهم وإنتمائهم إلى الأمة الآرامية , ترى هل كان
أجدادنا
يشكون أيضاً في إنتمائهم هذا ؟
! .
سنة 333
ق.م. دخل الإسكندر المقدوني
إلى الشرق
, وفي سنوات قليلة قضى على الإمبراطورية الفارسية ووصل في فتوحاته في
الهند .
وحين نظّم إمبراطوريته الواسعة الأطراف أطلق إسم سوريا على بلاد سوريا
الحالية .
وهكذا أصبحت التسمية " سوريا " تسمية إدارية وجغرافية . وصار على الباحث
أن يمييز
بين :
أ – بلاد آشور القديمة ( آسيريا
).
ب– التسمية الإدارية
" آسورا "
في عهد الفرس 539-332 ق.م. التي كانت تشمل العراق وسوريا - فلسطي
.
ج
–
سوريا الولاية التي أنشأها الإسكندر . وبعد موته كانت من نصب قائده سلوقس
الذي أسس
مملكة
السلوقيين,
الذين كانوا
يعرفون بملوك سوريا . وفيما بعد حين استولى الرومان
على هذه
المنطقة ظلوا يستعملون تسمية " سوريا " وهي سوريا الحالية , لكن دون منطقة
الجزيرة (
بيت نهرين ) والمنطقة الساحلية ( فينيقي
)
.
-6-
د-
ولاية
أسورستان :
وهي جزء من
الإمبراطورية الفارسية , التي أسستها الأسرة الساسانية في
القرن
الثالث الميلادي وارثة المملكة الفرثية . وكانت هذه الولاية تشمل جنوب ووسط
العراق .
وكان سكان هذه الولاية يطلقون على أنفسهم أسم آراميين وعلى الولاية إسم
: بلاد
الآراميين (13)
.
الآن بوسع
القارئ أن يمييز بين التسميات الجغرافية
والقومية
, فالتسمية الأولى " أ " هي قومية وهي خاصة بالآشوريين القدامى
.
إذا
كانت
التسمية السريانية تعني الآشوريين وذلك فقط عند اليونان في القرن الخامس ق.م.
, فإنها
لم تعد صحيحة بعد إستلاء اليونان على الشرق , وخاصة بعدما أصبح لتسمية
سوريا
معنى جغرافياً وفيما بعد معنى قومياً. كيف نستطيع أن نفسر هذا النص الذي كتبه
كسنوفون
(14) المؤرخ اليوناني الشهير " ولكن ملك آشور بعد أن أخضع
السريان وهم أمة
محترمة
" .
من هم
السريان " Syrian "
في هذا
النص ؟
لقد أمضيت
أشهر
طويلة
وأنا أبحث عن الجواب لأهميته البالغة في دراستي التي أعدها عن الشعب السرياني
– الآرامي
. وقد عثرت على عدة أدلة تثبت بأن المقصود بالسريان هو الشعب الآرامي
. ويقول
سترابون
(15) الجغرافي اليوناني ( القرن الميلادي الأول قبل المسيح)
:
" يقول
لنا أيضاً بوسيدونيس إن هؤلاء الذين أطلق عليهم اليونان إسم السريان
" Syrian "
فإنهم يطلقون على
أنفسهم إسم الآراميين "
.
لا بل
إننا نرى في الترجمة
اليونانية
للعهد القديم , بأن تسمية بلاد آرام تترجم إلى بلاد سوريا ودائما كان
يترجم
الشعب الآرامي إلى الشعب السرياني . لا يستطيع أحد أن يدعي بأن " حداد عدري
" ملك
آرام كان آشورياً وبالتالي لا أحد يستطيع أن ينكر بأن تسمية السريان قد أصبحت
مرادفة
للآراميين .
المؤرخ
فلافيوس جوزيف (16) , في كتابه الشهير عن اليهود كان
يستعمل
التسمية الآشورية ليعني بها الأمة الآشورية القديمة , وكان يستعمل التسمية
السريانية
ليقصد بها الآرامية كقوله
:
كان لسام أحد
أبناء نوح خمسة أبناء :
آشور وهو
الثاني وقد بنى مدينة نينوى وأعطى إسم الآشوريين (أسيريان) لأتباعه
الذين
كانوا أغنياء وأقوياء جداً ... ومن آرام وهو الرابع يتحدر الآراميون الذين
يطلق
عليهم اليونان إسم سريان
" .
إن علم
التاريخ , في الحقيقة , كعلم قائم
بذاته
أسوة بالعلوم الأخرى التي تبحث عن الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة , ولا يعتمد
تسلسل
الشعوب , حسب ما ورد في التوراة عن سام بن نوح , لأن التوراة في تفسيرها , قد
تقصد بها
إضفاء نوع من الترابط والتقارب بين الشعوب المتعددة , إذ ليس من المنطق في
شيء أن
يكون آشور أخاً لآرام , بينما هناك حقبة طويلة من الزمن بين التاريخ الآشوري
والتاريخ
الآرامي .
-7-
إذاً لا وجود
لرابط بين الشعبين الآشوري والآرامي سوى رابط الشعوب السامية فقط وقد
أوردت هذا
البرهان كي يتأكد القارئ بأن إسم السريان أصبح مرادفاً لإسم آرام
.
وإنطلاقاً
من أصول وقواعد التاريخ الثابتة أحببت أن أُعرّف ما كان يقوله
أجدادنا
عن أنفسهم وعن لغتهم . هل كانوا يقولون عنها سريانية – آرامية أم آشورية
؟
يقول مار
يعقوب السروجي (17) ( توفي عام 521 م ) في تقريظة لمار
أفرام :
"هذا الذي
أضحى إكليلاً للأمة الآرامية جمعاء وبه نالت محاسن روحية
" .
ورد
في إحدى
كتابات " مار فيلوكسينوس المنبجي " ( توفي عام 523 م
)
:
" إن تعبر
إختلاط ,
إمتزاج , يوجد في معظم كتب آبائنا إن كان عند الآراميين أو عند اليونان
" .
|