الكلدان الآشوريون السريان شعب واحد  يسمى بالشعب الآرامي

      الرئيسة سياسة |  روابط | نشيد قومي | أرشيف | إتصل بنا |                                                                                                                  

اقرأ المزيد...

الدكتور أسعد صوما أسعد
باحث متخصص في تاريخ السريان ولغتهم وحضارتهم

 


ستوكهولم / السويد


تعقيب على مشكلة المطارنة الستة ومشاكل الكنيسة السريانية الارثوذكسية

الجزء التاسع عشر

البطريرك "المعزول" عبدالمسيح الثاني

(1895-1905)

13- بعض المطارنة يعزلون البطريرك عبد المسيح:

وبينما كان البطريرك عبدالمسيح في زيارة رعوية لبلدة مديات منذ تشرين الأول لعام 1904 لتثبيت سريانها في إيمانهم وكنيستهم امام محاولات الارساليات التبشيرية ولمصالحة أهلها مع بعضهم، وصله الخبر المحزن والمفاجئ له بصدور قرار بعض المطارنة بإقالته من الكرسي البطريركي، مدعوما بمرسوم الحكومة العثمانية في بداية كانون الثاني 1905، والمرسل الى والي دياربكر وينص على سحب فرمان البطريرك. فصُدم صدمة عظيمة لهذا الخبر المؤلم الذي أخرجه من صوابه وأفقده إدراكه. حيث كان بعض المطارنة قد اتفقوا معاً بشكل سري دون معرفة البطريرك وقرروا الإنقلاب عليه وعزله، واتخذوا قراراً بإقالته في 10 تشرين الثاني عام 1903، لذلك تفاجأ البطريرك بالخبر وهو في مديات. ورغم انه أراد العودة للكرسي البطريركي في دير الزعفران ليزاول عمله البطريركي، إلا ان الأصدقاء نصحوه بالتريث والهدوء بسبب الغليان الذي حصل في الطائفة، فاتبع نصيحتهم، وخاصة عندما أصدرت السلطات العثمانية حينها قرار "سحب فرمانه" وسمحت بانتخاب بطريرك جديد.

وعلى أثرها مكث البطريرك المُقال في مدينة مديات واتخذ له دارا فيها، وسكنها حوالي عشر سنوات كبطريرك سُحب منه فرمانه (أي ان الدولة لا تعترف عليه كبطريرك للطائفة، لكنه لم يكن موقوفاً عن ممارسة الخدمات الكهنوتية كبطريرك). ومع الزمن أصبح منزله الخاص الذي اقام فيه في مديات كمقر بطريركي له وللطائفة. ولقد اختار السكن في مديات لأنه كان يحبها، وبينه وبين أهلها مودة منذ ان كان راهباً يخدم فيها وتعلم لهجتها السريانية، ولأن زعماء مديات لم يشاركوا في عزله بل ان اغلبهم كانوا متضامنين معه. وكان الناس والاكليروس في مديات يتعاطون معه ويعتبرونه بطريركاً على مديات (جالبين الى الاذهان قصة بطريركية طور عابدين السريانية المستقلة والتي استغرقت 475 سنة)، حيث وضعوا في خدمته بعض الرهبان، كما أرسلوا معه راهبين لمرافقته اثناء سفره الى الهند.

وفي "بروتوكول" سرياني "غير مصدق" عن قرار هؤلاء المطارنة الذين عزلوه (أورده المرحوم المطران افرام بولس، ولا نعرف مصدره)، هناك أسماء تسعة مطارنة منهم من كان حاضرا الجلسة ومنهم من أرسل صوته يؤيدهم، وهناك خمسة منهم كانوا قد شاركوا في انتخابه ورسامته ايضاً وهم:

1- قوريلوس كيوركيس مطران ماردين ورئيس السنودوس (يقال انه كان زعيم المعارضة لعزل البطريرك)،

2- اثناسيوس دنحو مطران مار ابحاي في ابرشية سيويرك،

3- يوليوس بهنام مطران جزيرة ابن عمر،

4- اثناسيوس افريم مطران دير مار كبرئيل،

5- ايوانيس الياس هلوله مطران الديوان البطريركي ورئيس دير الزعفران.

أما المطارنة الاخرين المذكورين في "البروتوكول" المذكور فهم:

6- اثناسيوس يعقوب مطران نصيبين؟

7- طيمثاوس بولس مطران القسطنطينية (كان المنسق الأول للمعارضة لعزل البطريرك)،

8- قوريلوس الياس قدسو مطران دير مار متى،

9- ديونيسيوس بهنام سمرجي مطران الموصل.

14- ماذا عن إقالة البطريرك واسبابها وأبطال فصولها:

ان قضية عزل البطريرك عبدالمسيح يلفها الكثير من الغموض، ولم يكتب عنها معاصروها كما ينبغي بل اكتفوا بذكرها بكلام عابر لا يشفي غليلاً، لذلك هناك الكثير من الأسئلة الملحة حول السبب الحقيقي لإنقلاب بعض المطارنة على البطريرك وإقالته من الكرسي البطريركي. كما هناك الكثير من الأسئلة التي تطرح نفسها حول إذا كان البطريرك فعلاً معزولاً كبطريرك، أو موقوفاً عن الخدمة، أو مجرداً من الكهنوت، أو ممنوعاً من ممارسة صلاحياته كبطريرك.

ان قلة المصادر وشحة المعلومات ساهمت في غموض قضية عزل البطريرك عبدالمسيح، لذلك تلعب الأحاديث الشفهية المنقولة والاقاويل غير المصدقة دوراً هاماً في الموضوع.

أن ذاكرة السريان عن هذا البطريرك مُسحت سريعاً بعد وفاته عام 1915 وذلك بسبب مجازر سيفو، التي جاءت أحداثها المأساوية كضربة قاضية على السريان فخلقت فجوة كبيرة في ذاكرتهم بين ما كان قبل "سيفو" وبين ما جاء بعده.  ومن نتائج هذه الإبادة ان السريان دُمّروا، ودُمِّرت معهم ثقافتهم، كما دُمِّر آرشيفهم وزالت معظم وثائقهم ومراجعهم وضعفت ذاكرتهم. لكن ومع ذلك تناقل بعض السريان قصة البطريرك لغاية جيلين او ثلاثة بعد وفاته. ثم انطفأ سراج قصته تماماً بعد ان حوَّلت الادارات المتعاقبة على الكنيسة هذا البطريرك الى نكرة.

 يقال ان الغيرة والحسد بين المطارنة كانا من أهم العوامل التي لعبت دوراً في الموضوع. وكانت النميمة تحرك معارضيه وتقودهم للانقلاب عليه والعمل على اقالته.

لقد بدأت المعارضة على يد المطران عبد الله الصددي عندما لم ينتخبه المطارنة بطريركاً، فقاطع السنودس وجلسة انتخاب البطريرك عبدالمسيح عام 1895. وبدأ ينظم حملة معارضة ضده في ابرشيته (دياربكر)، فقام هو وبعض المجالس الكنسية في الاتصال بالسلطات المحلية في دياربكر لإلغاء الرسامة وابطال صلاحياته. ولا نعرف ماذا كانت حجتهم والأسباب التي دعتهم لهذا التصرف. لكن هذا المطران، عبد الله الصددي، انضم بعد هذا الحادث الى الكنيسة السريانية الكاثوليكية، تاركاً مسرح الاحداث، وانتهى موضوعه مؤقتاً، وانتهت المعارضة على البطريرك وعادت الأمور الى مجاريها الطبيعية.

لكن بعد حوالي عشر سنوات يتجدد موضوع المعارضة على البطريرك عبدالمسيح مجدداً عام 1904 بهدف إقالته من الكرسي البطريركي. ويظهر هذه المرة قوريلوس كيوركيس مطران ماردين على مسرح الاحداث، ويتزعم المعارضة ضد البطريرك عبدالمسيح. يساعده في ذلك بعض الوجهاء السريان من أهل ماردين.

لا نعلم ماذا كان موقف الطبقة المثقفة من سريان دياربكر وماردين المجاورة للأحداث، وخاصة هيئة المعلمين في المدارس السريانية وبينهم المدير الملفونو حنا جقي، والذين تخرجوا على يديه وبينهم الملفونو نعوم فائق الذي كان صديقا حميماً لكلا البطريرك عبدالمسيح وللمطران عبد الله سَطّوف الصددي. ففي هذا العام 1904 كان الراهب الياس شاكر (البطريرك الياس الثالث بعدئذ) مسؤولا عن ابرشية دياربكر (سيم مطرانا للابرشية عام 1908 على يد البطريرك عبد الله الصددي، وثم بطريركا عام 1917). وكان نعوم فايق هو الذي يتولى كتابة مراسلات المطرانية حينها بدل الراهب الياس شاكر المذكور. ولا نعلم موقف الياس شاكر من قضية عزل البطريرك حينذاك لما كان راهباً، لكننا نعلم موقفه عندما كان بطريركاً باسم الياس الثالث، بأنه كان ينتقد البطريرك عبدالمسيح عند الحديث عنه، كما قرأنا في احدى الوثائق السريانية.

وكانت مدينة ماردين السريانية بسبب قربها من موقع البطريركية، تشكل القاعدة السريانية الأقوى في التعاطي مع دير الزعفران (مركز البطريركية) ورعايته. وكانت تتدخل في شؤون البطاركة وبقية الاكليروس الذين كانت غالبيتهم من سكان القرى السريانية.

كان سكان ماردين يسخرون من سريان القرى المحيطة بهم ويستصغرونهم، وبينها سكان قرية "قلعتمرا" التي ينحدر منها البطريرك عبدالمسيح. لذلك كان الصراع الاجتماعي بين سريان ماردين وسريان قلعتمرا شديداً، ولازالت بقاياه متجذرة في قلوب الأبناء من الطرفين لغاية اليوم، (وسببه ان أهل المدن يستهزؤون بسكان القرى، خاصة إذا أصبح أبناء القرى مسؤولين مدنيين او دينيين على اهل المدن، لكون سكان القرى أقل ليونة ودبلوماسية ومرونة في الكلام والتعاطي من سكان المدن. كما ان غالبية رجال الدين من كل الأديان هم من سكان القرى، لأن أهل المدن أقل تديناً من سكان القرى.  ولغاية اليوم هناك بعض الأحاديث غير المستحبة يتداولها الجيل القديم من سكان ماردين عن أهل قلعتمرا للتقليل من شأنهم).

وبعد قوريلوس كيوركيس مطران ماردين كزعيم أقوى للمعارضة ضد البطريرك، كان يأتي في المرتبة الثانية في المعارضة ديونيسيوس بهنام سمرجي مطران الموصل الذي تعيَّن وكيلاً على الكرسي البطريركي بعد عزل عبدالمسيح لغاية انتخاب ورسامة بطريرك جديد، فقدم لدير الزعفران واستلم مهمته مباشرة واستمر فيها لغاية انتخاب عبد الله بطريركاً. وبدأ مباشرة يرسل الرسائل والبرقيات لمختلف ابرشيات الكنيسة، وبينها الكنيسة في الهند، يعلمهم عن عزل البطريرك عبدالمسيح، وانه تعيّن قائمقاماً بطريركياً. واعترض بعض الوجهاء السريان على هذا العمل معتبرين عزل البطريرك عبدالمسيح غير شرعي. وفي احدى رسائل الوجيه السرياني أنطون عبد النور الموصلي يقول فيها "ان عزل البطريرك ليس شرعياً وان سريان الموصول يحاولون إجراء مصالحة بين البطريرك والمطارنة المعارضين".

وكان هذا المطران، بهنام سمرجي، قبلها واقعاً تحت عقوبة التوقيف على يد البطريرك الأسبق بطرس الثالث الموصلي، ولا نعرف كيف ومتى أُزيل توقيفه وأعيد للخدمة، وكيف تم اختياره وكيلاً على الكرسي البطريركي بعد عزل البطريرك عبدالمسيح.

وكان المطران طيمثاوس بولس ممثل الطائفة في إسطنبول أكثر المطارنة نشاطاً وحماساً لإقالة البطريرك. وكان يحاول جل جهده لإقناع المسؤولين العثمانيين في العاصمة للقبول بعزل البطريرك الى ان نجح اخيراً. لكن المسؤولين العثمانيين لم يرضخوا لمطالبه بسهوله، بل قالوا له بانه يجب ان يثبت لهم بان الشعب السرياني الأرثوذكسي لا يريد البطريرك. لذلك كتب المطران طيمثاوس بولس مراراً الى المطران قوريلوس كيوركيس في ماردين يحثه ويرجوه على تهيئة مضابط يوقع عليها الشعب لإقناع المسؤولين العثمانيين، وإلا فلن ينجحوا في عزل البطريرك. وكان طيمثاوس يدّعي أمام المسؤولين الاتراك ان البطريرك مختل عقليا ويجب عزله، لذلك طلبوا منه تقديم اثباتات طبية على ذلك. ولا نعلم ان كان قد لفّق شيئاً وقدمه للدولة أم لا. لكن هيئة المسؤولين اتصلت بوالي دياربكر للاستفسار بخصوص الموضوع.

وأخيرا، وبعد مداولات استغرقت عدة أشهر، أصدرت السلطات العثمانية قرارها بسحب فرمان البطريرك عبدالمسيح في أوائل كانون الثاني 1905. وأرسلت قرارها الى والي دياربكر ليبلغه للمعنيين وللبطريرك عبد المسيح الذي كان موجوداً حينها في مديات.

للأسف ان الفتن في الطائفة السريانية لم تتوقف ولم ينجو من شرها أحد، وكانت نارها المحرقة قد وصلت حتى الى البطريرك الأسبق بطرس الثالث.

 15- محاولة فاشلة لعزل البطريرك الاسبق بطرس الثالث:

لم تكن محاولة عزل البطريرك عبدالمسيح فريدة من نوعها في تاريخ الكنيسة في تلك المرحلة. إذ كانت هناك محاولة مشابهة أيضاً لعزل البطريرك الذي قبله بطرس الثالث الموصلي (1894-1872) وقد تمت فصولها في مدينة دياربكر على يد حاكم دياربكر وبعض السريان من سكان دياربكر الذين تورطوا فيها. فقد علمنا من خلال وثيقة سريانية هامة يقول فيها البطريرك الياس الثالث: "ان المرحوم البطريرك بطرس كان قد اشتكى على حاكم دياربكر وفصله من منصبه، فجاء حاكم آخر مكانه. واتفق الحاكمان الأول والثاني مع والي ماردين ونواب مديات والصور والجزيرة ونصيبين، وكتبوا ضد البطريرك يتهمونه بالخرف والاختلال العقلي، ويرفضون قبول اية رسائل منه. فقام مطارنة الطائفة حينها يدافعون عن البطريرك واشتكوا على هؤلاء الاشخاص قائلين انه رغم شيخوخة البطريرك بطرس، إلا انه يتمتع بكامل مقدراته العقلية التي هي كمقدرة الشباب. فقام طبيبان من جانب الدولة بفحص البطريرك فوجدا ان كلام الوالي والحاكم والنواب باطل. وبناء على طلب المطارنة وتوضيحهم أُلغي قرار المحكمة، وأعيدت كرامة البطريرك بطرس الثالث له"

ويذكر المطران يوحنا دولباني في قصة بطرس الثالث بانه حصل خلاف بينه وبين سريان دياربكر حول أمتعة البطريرك الأسبق يعقوب الثاني القلعتمراوي بعد وفاته. وقد طالب البطريرك بطرس امتعة البطريرك يعقوب الثاني قائلا بانها ملك الكنيسة ويجب ان تعطى للبطريركية. لكن سريان دياربكر الذين كانت هذه الامتعة في حوزتهم لم يقبلوا بتسليمها الى البطريرك بطرس. أخيرا اضطر البطريرك ان يستعين بالدولة واستطاع ان أخذها بواسطة المحاكم.

وكان البطريرك بطرس يطالب المطران ديونيسيوس عبد النور مبلغاً من المال قدره 150 الفاً من الدراهم، التي كان البطريرك الأسبق يعقوب الثاني يطلبها من هذا المطران، وأما المطران عبد النور فكان يقول "ليس لدي أي شيء أعطيه لأحد، إلا لدير مار مرقس في القدس فقط، لان كل المال الذي قمتُ بجمعه هو للدير، وكان على اسم هذا الدير".

وقد تحزب للمطران عبد النور بعض السريان في دياربكر فأرادوا الإساءة الى البطريرك بطرس وعزله. ولما كان البطريرك في زيارة الى القسطنطينية (إسطنبول) لرعاية شؤون الطائفة، أرادوا إفشال مهامه ومساعيه في العاصمة. فكتبوا الى بطريرك الأرمن في إسطنبول مدعين ان الطائفة ترفض البطريرك بطرس، قائلين "ان الطائفة لا توافق على البطريرك بطرس ولن تقبل به".

لكن اخيراً حصلت المصالحة مع المطران عبد النور. يبدو ان العلاقة بين هذا المطران والبطريرك بطرس لم تكن على ما يرام منذ زمان، لأنه لم يشارك في مراسيم رسامة بطرس الثالث بطريركا للكنيسة رغم كونه أقدم المطارنة واكبرهم قدراً. فدعاه البطريرك حينها وعاتبه، ثم عزله من ابرشية القدس، وبعدها رسم لها عبد الله الصددي مطراناً.

يتبع الجزء العشرون عن عزل البطريرك عبدالمسيح.

 من أراد ان يقرأ الاعداد الماضية من هذا المقال فهي موجودة على الرابطين التاليين:

http://www.aramaic-dem.org/Arabic/Tarikh_Skafe/Assad_Sauma_Assad/0.htm

 http://nesrosuryoyo.com/forums/viewforum.php?f=300

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها