| الرئيسةمقالات |  سياسة |  روابط | نشيد قومي | أرشيف | إتصل بنا | 

اقرأ المزيد...

الدكتور أسعد صوما أسعد
باحث متخصص في تاريخ السريان ولغتهم وحضارتهم
ستوكهولم / السويد


لمحات من تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية

(الجزء التاسع)

لمحة موجزة عن المغول:

 كانت منطقة غرب وشمال الصين منذ عدة قرون قبل الميلاد مقراً لسكنى شعبين متقاربين جنساً يعيشان جنباً الى جنب هما الاتراك والمغول.

وفي القرنين السادس والسابع الميلاديين بدأت بعض مظاهر الشخصية التركية تتبلور في تلك المنطقة وذلك بعد تأثر القبائل التركية بالثقافات الايرانية والصينية، وبعضها بالثقافة السريانية المسيحية.

 وكان بعض الاتراك قد اندفعوا نحو الجنوب الغربي واستقروا في منطقة سميت بعدها باسمهم "تركستان".

وقد أنشأ هؤلاء الاتراك كيانات سياسية مثل دولة كوك ترك وأويغور، بينما بقي انسباؤهم المغول، ويقال لهم ايضاً التتر نسبة الى احدى قبائلهم، في حالة ركود في وطنهم تلك الفترة.

 كان المغول منقسمين الى عدة قبائل كبيرة جداً كانسبائهم الاتراك، مثل قبائل نيمان الاكثر تمدناً بين المغول، وقبائل كيرايت، ومركيت، وقبيلة يورتاس المتخلفة جداً.

وكان معظم هذه القبائل وخاصة قبائل نيمان ومركيت وكيرايت قد اعتنقت المسيحية على يد السريان النساطرة حيث ساهمت المسيحية في تحسين وضع المغول الثقافي والنفسي والاجتماعي.

 وفي القرن الثاني عشر بدأت قبائل المغول في التحرك والانتشار والتوسع في معظم الاتجاهات.

 وفي هذه المرحلة ظهر الفتى تيموجين الذي لقّب نفسه بعدئذ ب جنكيزخان، إذ كان يعيش وهو ابن عشر سنوات في بيت امير قبيلة كيرايت المغولي المسيحي.

ولما بلغ جنكيزخان اقترن من اميرة مغولية مسيحية من تلك القبيلة. واستطاع ان يكسب دعم أمير قبائل الكيرايت ويتزعم قبيلة مانخول التي ينحدر منها. وقد تمكّن بفضل دهائه السياسي ان يجمع حوله كوكبة من المخلصين جداً وان يوسع دائرة نفوذه بمد سلطته على رقعة شاسعة.

 ثم نجح في توحد القبائل المغولية المسيحية التي اصبحت نواة دولته المغولية. لذا يعتبر بحق المؤسس الحقيقي للدولة المغولية حيث استطاع ان يجهزها وينظمها بسن جملة من القوانين التي تنظم علاقة الناس فيما بينهم وعلاقتهم مع الحكومة من جهة اخرى.

 وقد عُدّ المشرِّع القانوني الاول للأمة المغولية لانتشار قوانينه في كل منغوليا، إذ أدان الجريمة وعاقب المجرمين بصرامة وقسوة، وسنَّ نظاماً محكماً للضرائب أغنى خزينة الدولة، ونظم البريد بشكل متقدم حتى صار البريد والاخبار ترد بسرعة مذهلة.

ونعلم من سيرة حياة العلامة السرياني غريغوريوس ابن العبري (1226-1286) بانه كان هناك طرقاً للتنقل السريع خاصة للعاملين في الدولة يحرسها الجنود، سافر عليها ابن العبري كطبيب يحمل ادوية لخدمة الملك.

 وأخد جنكيزخان في التوسع نحو الصين وتغلغلت قواته فيها بنجاح باهر.

 ثم وجّه اهتمامه نحو الغرب، الى دولة خوارزم شاه القوية، التي تمكن منها واجتاحها بفضل تفوّق المغول العسكري وانضمام الاتراك الذين يخدمون في جيوش اعدائه بسبب روابط القربى. واحتل مدن خراسان، مرو، بخارى، وسمرقند.

 وكان مصير هذه المدن مروعاً لعدم استسلامها.

 وكان المغول بشكل عام شعباً طيباً، بسيطاً، وفياً وكريماً، يعتمد على الثقة بالوعود الشفهية، فان اعطوا وعداً سينفذوه مهما كلف الثمن.

 وكانوا قساة جداً مع الذين يخونونهم أو يتحدونهم، لكنهم كانوا يبجلون العلماء والادباء والكتاب والفنانين والحرفيين، حيث اهتموا بهم  في كل مدينة دانت لهم، كما انهم كانوا يحترمون النساء والشيوخ والاطفال في فتوحاتهم.

إلا ان المصادر العربية لم تنصفهم بما كتب عنهم.

توفي جنكيزخان عام 1227 وكان قبل وفاته قد قرر ان تقسم مملكته بين أولاده الاربعة، مع رغبة ان يمارس أحد ابنائه السيادة على اخوته كحاكم أعظم.

لذا عقدت الجمعية الوطنية العامة (تشبه البرلمان) عام 1229 لاجراء انتخابات حيث فاز بها الابن "أوقطاي" وتسلم القيادة العامة للدولة واصبح ملك الملوك، بينما اصبح اخوته الثلاثة الاخرون ملوكاً محليين على المناطق الجديدة التي اصبحت دولاً  مغولية.

وكانت الاراضي المغولية الاساسية قد اصبحت من نصيب الابن الأصغر لجنكيزخان وهو "تولوي"، والاراضي الواقعة شمال وشمال شرقي نهر جيحون، المعروفة بالمصادر العربية بـ "بلاد ما وراء النهر"، من نصيب "جفتاي"، وأخذ "جوجي" المناطق الروسية.

في عام 1236 ميلادي تحركت جيوش مغولية لاخضاع أوروبا الشرقية ووصلت الى بولونيا وربما البلطيق ايضاً ((يوجد بالقرب من مدينة لوبلين البولونية موقع يسمى "مّيدانيك"، يُعتقد ان هذا الاسم هو من البقايا المغولية في بولونيا.

كانت القوات النازية اثناء الحرب العالمية الثانية قد أقامت فيه مركزاً لتجميع اليهود من أوروبا لابادتهم هناك، فاحرقوا وقتلوا فيه مئات الالاف من اليهود لغاية سقوط هذا المركز على يد الروس وتحريرهم الاسرى الباقين. ولا زالت بقايا الضحايا اليهود في "مّيدانيك" مليئة في عدة برّاكاتٍ كبيرة تشهد على كثرة عدد الضحايا هناك، كما ان افران المحرقة التي حرقوا فيها اليهود لا زالت قائمة وكذلك غرف القتل خنقاً بالغازات المسمومة.

لقد تحوّل هذا المكان "ميدانيك" الى  متحف كبير للزوار، وكنا قد زرناه قبل حوالي 15 سنة فذهلنا بما شاهدناه من آثار المآسي وصعقنا من بقايا جرائم النازية ضد اليهود، وهذا جلب لبالنا المجازر العديدة التي ارتكبت بحق شعبنا عبر التاريخ)).

وفي عام 1241 توفي الخان الأكبر أوقطاي في العاصمة قراقوروم فاصبحت زوجته المدعوة "توراكينا" وصيّة على العرش، وهي أميرة مغولية مسيحية استطاعت بذكائها أن تؤمن الحكم لابنها "كيوك" الذي أظهر محاباة للمسيحيين طوال حياته.

وكان اختيار كويوك يعني انتصاراً للمسيحيين، غير ان وفاته عام 1248 قضت على آمال وأحلام المسيحييين.

 وعهد بالوصاية ثانية الى ارملة الخان الاعظم وتدعى "أوغول جايميش".

وتقرر في الانتخاب العام اختيار "منكو" ابن تولوي، الذي كان ذكياً وداهية في السياسة والادارة. وبفضل والدته المسيحية انتشرت الديانة المسيحية كثيراً بين المغول.

وكان الخان منكو متسامحاً دينياً كبيراً ففي عهده أخذت الكنائس والمساجد والمعابد البوذية تتنافس فيما بينهما لكسب المغول الى صفوفها، وكنت ترى رجال اللاهوت من مختلف هذه الاديان يتناقشون معاً في حضرته، غير ان الخان الاعظم كان يفضل المسيحية دوماً ويحضر احتفالات المسيحيين في كنائسهم.

المغول في المنطقة السريانية:

كان الخليفة المسلم المستعصم بالله (1242-1258) آخر الخلفاء العباسيين ضعيف الشخصية وسيء الادارة، لذلك كان الوضع الداخلي في العراق مركز الخلافة يعاني من المشاكل والفتن المذهبية.

فالخلاف الاسلامي بين أهل السنة في بغداد وأهل الشيعة في الكرخ كان عنيفاً للغاية.

وكان الخليفة، وهو الامام الاعلى لجميع اهل السنة، يدعم السنة ضد المسلمين الشيعة، بينما كان وزيره مؤيد الدين بن العلقمي يدعم الشيعة في هذا الخلاف المذهبي.

 لذلك جرت بين الفريقين المتضادين منازعات وحروب، مما حمل الخليفة على ان يأمر جيوشه بضرب الشيعة في الكرخ، فضربوها ونكلوا بالشيعة وأمعنوا فيهم قتلاً ونهباً وسلباً.

 ولم يكن هذا الخلاف السني الشيعي حديثاً، بل كان قديماً قدم الخلافة العباسية، فمثلاً ان الخليفة المتوكل 851 م كان قد أمر بهدم قبر الحسين بن علي وان يبذر ويسقي موضعه، وان يمتنع الناس عن زيارته.

 ولأن الاضطراب الداخلي في العراق كان كبيراً فقد سبب في اضعاف الحكم والخلافة مما ادى الى سقوط مركز الخلافة سريعاً عند قدوم المغول الى العراق.

عندما نزل العاهل المغولي جنكيزخان في عساكره على مدينة بخارى قال للمشايخ وعلماء الاسلام:

 "بان الله ملك الكل وضابط الكل أرسلني لاطهّر الارض من بغي الملوك الجائرة الفسقة الفجرة" (لاحظ التعبير المسيحي "الله ضابط الكل" كما ترد في قانون الايمان المسيحي).

 ففي عام 1256 بدأ المغول في فرض سيطرتهم على فارس وأخضعوا طائفة الحشاشين الاسماعيلية الباطنية المسلمة، وسيطروا على قلاع الاسماعيلية التي بلغ عددها نحو المائة قلعة.

وبسبب العداوة المستحكمة بين السنة والشيعة هلّل المسلمون السنّة فرحاً لسقوط المعاقل الاسماعيلية المرعبة على يد المغول وخاصة قلعة "الموت" Almot الشهيرة.

وكان المغول يومئذ يفضّلون الشيعة على السنّة بسبب المظالم التي كانت تحيق بأهل الشيعة. لذلك قدّر المغول أحد كبار علماء فرقة الاثني عشرية الشيعية، وهو نصير الدين الطوسي الذي دخل في خدمة المغول فكرّموه ونال حظوة رفيعة لديهم. وأثناء احتلال بغداد دار التنكيل بالسنة بينما اعطى المغول الحرية والامان للشيعة لبناء وترميم مساجدهم. (قبل سقوط صدام حسين القى خطاباً متذكرا فيه احتلال المغول لبغداد 1258 فسمى قوات التحالف "مغول العصر" وقال بانهم سيندحرون امام بغداد).

أما هولاكو فقد أعلن الحرب على الخليفة المستعصم بالله لأن أهل بغداد اهانوا رسله الى الخليفة.

 وان الخليفة رغم ضعف مركزه كان قد رفض الاستسلام والاعتراف بسيادة المغول عليه، مما اثار غضب هولاكو واعلن الحرب على الخليفة، فخاف الخليفة وسارع الى مهادنة هولاكو لاسترضائه بان ارسل وفداً اليه يفاوضه ويستأمن على حياة الخليفة وعائلته ويثنيه عن احتلال بغداد.

وكان الخليفة يدرك مدى علاقة هولاكو بالمسيحيين السريان فاراد استغلالها. فقرر الخليفة ان يرسل في وفده الى هولاكو بطريرك السريان المشارقة مكيخا الاول (1257-1265) مع وزرائه ابن العلقمي ونجم الدين عبدالغني.

 وانطلق الوفد المذكور الى هولاكو محملاً بالهدايا الفاخرة والنفيسة، ووعد الخليفة بانه سيذكر اسم هولاكو في خطب ايام الجمعة وسيدعو له بالصلاة في كافة المساجد.

غير ان هولاكو رفض كل ذلك واراد الانتقام من الاهانة التي لحقت برسله.

وكان هجوم المغول على بغداد عام 1258.

 وأثناء فتح بغداد كانت بعض المجموعات والاقليات في المدينة تتفاوض سراً مع المغول، وبينهم أفراد الحامية التركية الذين اتصلوا باخوانهم الاتراك في جيش هولاكو وقرروا عدم مقاتلتهم.

وأباد المغول جيوش الخليفة وذبحوا من أهالي بغداد بالالاف، حتى ان المؤرخين القدماء قدموا لنا ارقاماً بالغوا فيها كثيراً.

 ذكر أبو المحاسن ان حوالي ثمانيمائة الف نسمة قتلوا. وذكر ابو الفداء بان: النهب والقتل استغرق اربعين يوماً، وبعدها أشعلوا النيران في جامع الخليفة ومشهد موسى الجواد وقبور الخلفاء. وأضاف الهمذاني: أنهم قضوا على كل فرد وجدوه حياً من العباسيين.

وكان اغنياء بغداد من المسلمين يدركون المكانة التي يحتلها السريان لدى هولاكو لذا سارعوا الى وضع اموالهم أمانه لدى بطريرك السريان النساطرة لكي لا ينهبها جنود هولاكو، بينما كانت زوجة هولاكو المسيحية دوقوزخاتون تقوم برعاية المسيحيين في بغداد.

ولما كان المسلمون من السنّة والشيعة في العراق على خلاف، فقد شارك الشيعة في نهب بغداد واستفادوا من المناسبات الاخرى لتصفية حساباتهم القديمة مع أهل السنة المسلمين.

وقضى هولاكو على الخلافة العباسية في بغداد بقتل المسعتصم بالله آخر الخلفاء العباسيين وذلك عام 1258، بوضعه في كيس مربوط العنق والقضاء عليه ضرباً وركلاً بالاقدام حتى الموت. ويخبرنا المؤرخ السرياني المعاصر ابن العبري بان قتل الخليفة بهذه الطريقة كان بسبب خرافة شائعة بين المسلمين ومفادها انه اذا اريق دم الخليفة على الارض فستُلعن تلك الارض ولن ينزل عليها المطر ولن تزهر، لذلك لم يقتلوه بالسيف.

احتلال سوريا:

وتوجه المغول نحو سوريا الشمالية والداخلية حيث تقع عشرات المدن السريانية العريقة التي يتولاها حكام مسلمون. وكان المسيحيون في سوريا وفلسطين وآسيا الصغرى ينتظرون مجيء المغول بفارغ الصبر حتى يتحقق أملهم بتحسين أحوالهم.

 وقد أسهموا بالسقوط السريع لكثير من المعاقل في شمال ما بين النهرين في يد المغول. واستولى المغول على أمد (دياربكر) ونصيبين وحران والرها (أورفا) وسروج وماردين وميافارقين ومنبج وحلب، منها ما كان صلحاً ومنها عنوة.

وقد أرسل هولاكو رسالة الى الملك الناصر صاحب حلب يطلب منه الاستسلام، ونظراً لاهمية مضمونها فاننا ننقلها عن المؤرخ السرياني ابن العبري، ونص الرسالة:

رسالة المغول الى الملك الناصر ليستسلم:

"يعلم الملك الناصر اننا نزلنا بغداد...، وفتحناها بسيف الله تعالى، وأحضرنا مالكها وسألناه مسئلتين فلم يجب لسؤالنا فلذلك استوجب منا العذاب كما قال في قرآنكم ان الله لا يغير حتى يغيروا ما بانفسهم... لأننا قد بلغنا بقوة الله الارادة، ونحن بمعونة الله تعالى في الزيادة.

ولا شك انا نحن جند الله في ارضه، خلقنا وسلطنا على من حلّ عليه غضبه.

 فليكن لكم فيما مضى معتبر، وبما ذكرناه وقلناه مزدجر. فالحصون بين ايدينا لا تمنع، والعساكر للقائنا لا تضر ولا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يُستجاب ولا يُسمع.

 فاتعظوا بغيركم وسلموا الينا أموركم، قبل ان ينكشف الغطا ويحل عليكم الخطا، فنحن لا نرحم من شكا ولا نرق لمن بكا. قد اخربنا البلاد وافنينا العباد وايتمنا الاولاد وتركنا في الارض الفساد. فعليكم بالهرب وعلينا بالطلب.

فما لكم من سيوفنا خلاص ولا من سهامنا مناص. فخيولنا سوابق وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق. وعقولنا كالجبال وعددنا كالرمال، ومن طلب منّا الامان سلم ومن طلب الحرب ندم.

فان انتم اطعتم امرنا وقبلتم شرطنا كان لكم ما لنا وعليكم ما علينا، وان انتم خالفتم أمرنا وفي غيّكم تماديتم فلا تلومونا ولوموا أنفسكم. فالله عليكم ياظالمين، فهيئوا للبلايا جلباباً وللرزايا أتراباً.

فقد أعذر من أنذر وانصف من حذّر. لأنكم اكلتم الحرام وخنتم الايمان، واظهرتم البدع واستحسنتم الفسق بالصبيان، فابشروا بالذل والهوان.

فاليوم تجدون ما كنتم تعلمون، سيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون. فقد ثبت عندكم اننا كفرة، وثبت عندنا انكم فجرة. وسلطنا عليكم من بيده الامور مقدَّرة والاحكام مدبّرة. فعزيزكم عندنا ذليل وغنيكم لدينا فقير.

ونحن مالكون الارض شرقاً وغرباً، واصحاب الاموال نهباً وسلباً، واخذنا كل سفينة غصباً. فميزوا بعقولكم طرق الصواب قبل ان تضرم الكفرة نارها، وترمي بشرارها.

فلا تبقى منكم باقية وتبقى الارض منكم خالية. فقد ايقظناكم حين راسلناكم، فسارعوا الينا برد الجواب بتة قبل ان يأتيكم العذاب بغتة. وأنتم تعلمون".

وعندما لم تستسلم حلب حاصرها لمدة سبعة ايام ثم فتحها وأعمل السيف فيها قتلا وذبحاً.

يقول ابو الفداء بان النهب والقتل فيها استغرق من يوم الاحد الى نهار الجمعة. ويقول المقريزي بانه أسر فيها حوالي مائة الف ثم دمر قلعتها الشهيرة.

وكان المؤرخ السرياني ابن العبري مطراناً على حلب في هذا الاثناء قد خرج الى معسكر المغول خارج حلب للقاء العاهل المغولي عند حلوله بقرب حلب، ليستعطفه بالمدينة لكن دون جدوى.

وبسقوط حلب وقع الرعب في قلوب جميع الحكام المسلمين في سوريا فاسرعوا للاستسلام وتقديم فروض الطاعة والولاء للعاهل المغولي المظفر.

 وكانت المدن السورية حمص وحماة ودمشق قد استسلمت فدخلها المغول دون ان يمسوا أحداً بأذى.

ويروي ابن العبري المعاصر للاحداث انه عندما وصل المغول الى دمشق خرج أعيان المدينة واستقبلوا الفاتح الجديد وسلموه المدينة، ولم يلحق باحد منهم أذى.

غير ان بعد وفاة ملك المغول الاعظم مونغا خان عام 1259 عاد هولاكو الى وطنه مع جيوشه الجرارة بعد ان ابقى في سوريا وفلسطين عشرة آلاف عسكري بقيادة أمير مغولي مسيحي اسمه "كتبوغا".

ولما علم "قوطوز" التركماني المملوكي صاحب مصر بذلك، خرج بعسكر كثير وكسر المغول في فلسطين عام 1260 وقتل قائدهم.

 وعندما وصلت أنباء هزيمة المغول الى دمشق أنقض مسلموها على المسيحيين من ابناء المدينة حيث اشبعوهم نهباً وسلباً وقتلاً وتنكيلاً.

يقول ابو الفداء المعاصر للاحداث بأن المسلمين في دمشق خرّبوا كنيسة مريم وكانت كنيسة عظيمة.

 ولما أكمل المماليك الاتراك زحفهم الى دمشق فان قائدهم ارتكب مجزرة مروّعة بحق السريان في "قارا" الواقعة بين دمشق وحمص.

 ولقد ذكر المقريزي خبر هذه المجزرة الرهيبة.

وكان القائد المغولي المسيحي كتبوغا بعد فتحه دمشق قد استرجع بعض الكنائس التي كان المسلمون قد اغتصبوها وحولوها الى جوامع، واعادها ثانية الى اصحابها السريان لأن هولاكو كان قد أقام من نفسه حامياً للمسيحيين.

 ويبدو أن المسيحيين السريان لغاية ذلك الوقت كانوا الاغلبية في المنطقة.

(يتبع الجزء العاشر)

 

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها