تبرعوا لدعم موقعكم

| الرئيسةمقالات |  سياسة |  روابط | نشيد قومي | أرشيف | إتصل بنا | 

اقرأ المزيد...

 

الدكتور أسعد صوما أسعد
باحث متخصص في تاريخ السريان ولغتهم وحضارتهم
ستوكهولم / السويد


تعقيب على مشكلة المطارنة الستة ومشاكل الكنيسة السريانية الارثوذكسية

الجزء الثاني

الجزء الأول

 الجزء الثاني

 الجزء الثالث

الجزء الرابع

كنا نتوقع من قداسة البطريرك افرام الثاني ان يقوم، بعد تسنمه سدة البطريركية، بحملة صليبية واسعة لتنظيف كل قطاعات الكنيسة من الداخل بهدف إصلاحها ووضعها على السكة الصحيحة، مبتدأً بإصلاح البطريرك والبطريركية، المطارنة والابرشيات، الرهبان والقساوسة وبقية الاكليروس، الطقوس والاعياد، الخ. لكننا لغاية الآن لم نشاهد إلا شيئاً يسيراً من هذا قد لا يستحق الذكر، لذلك لا زلنا ننتظر منه القيام بالحملة الإصلاحية الضرورية والمنتظرة لإنقاذ الكنيسة. لقد قام البطريرك بزيارات رعوية الى معظم الابرشيات ونأمل بانه حصل على صورة صحيحة عن الواقع الأليم في الابرشيات، وانه استخلص النتائج ولديه تصورات لمستقبل أفضل لكل ابرشية وبحوزته بعض الخطط والبرامج عن كيفية اجراء الإصلاح العام، واننا ننتظر منه الإعلان عنها، أو البدء بتنفيذها، اليوم قبل الغد.

 كان المهتمون بالشأن الكنسي ينتظرون ان تخلق زيارات البطريرك للكنيسة في مختلف البلدان الأوروبية مناخاً إيجابياً في الكنيسة يساهم في الإصلاح على النطاق الروحي والكنسي والكهنوتي والإداري. كما كانوا يأملون ان يناقش البطريرك موضوع الاصلاحات مع كل مطران في ابرشيته، وان يلتقى مع كل الناس المهتمين في الابرشيات لسماع افكارهم وآرائهم حول واقع الكنيسة وامراضها ومصيرها في المستقبل القريب والبعيد. لكن انتهت زيارات البطريرك ولم نجد اي تأثير إيجابي جوهري حصل في حياة الكنيسة بعد زياراته. فالكنيسة لا زالت كما كانت، مريضة في حالة إحتضار روحي وانحدار اداري، وغالبية الاكليروس لا زال غارقاً في سبات ليل طويل مظلم استطابه ولا يريد ان يستيقظ منه ليجدد نفسه. والأسئلة الهامة التي تطرح نفسها: هل فاتح البطريرك المطارنة بضرورة اجراء إصلاحات شاملة؟ هل أجرى لقاءات مع المهتمين لسماع أفكارهم وآرائهم حول الكنيسة ومستقبلها؟ هل اخذ صورة صحيحة عن وضع الابرشيات ومشاكلها مشخصاً نقاط الضعف والقوة فيها؟ هل اعد مسودات العمل لإجراء الإصلاحات؟ فاذا كان الجواب بالإيجاب فالشعب يتنظر البدء بتنفيذ العمل الإصلاحي.

 لماذا ضرورة اصلاح الاكليروس بكل درجاته كخطوة أولية في الاصلاح؟ أخبرني أحد الكهنة الموقرين جداً واصفاً حالة الاكليروس (من مختلف درجاته) قائلاً: "ان الكثيرين من افراد الإكليروس في الغرب قد استحوذ عليهم الكسل الروحي والاستهتار بالإيمان وبالكنيسة وقوانينها وبالبطريركية وبالمؤمنين، فيسهرون يومياً حتى ساعات متأخرة من الليل كالعلمانيين العاطلين عن العمل، ويصرفون معظم اوقاتهم في مشاهدة التلفزيونات، وينهضون من نومهم في اليوم التالي عند الظهيرة. فلا يصلون في أوقات الصلاة ولا يصومون كما تنص عليها القوانين. ولا يتقيدون كما ينبغي بقوانين الكنسية وتقاليدها وطقوسها من حيث الصلاة والصوم ومراعاة قوانين العفة وبتولية المطارنة والرهبان، وتطبيق المبادىء الانجيلية السامية من حيث المحبة والتواضع وخدمة الانسان والابتعاد عن الأمور المادية، الخ". وتابع هذا الكاهن الورع حديثه قائلاً: "نحن الكهنة جميعنا خطاة، ونخطأ باستمرار نظرياً وعملياً، والذي لم يخطأ عملياً فلانه لم يكن بمقدوره الوصول على حد قول الفيلسوف السرياني ܠܐ ܚܛܘ ܥܠ ܕܠܐ ܡܛܘ "لو حْطاو علْ دْلو مْطاو". وأكمل هذا الكاهن الصديق تحليله لوضع الكهنة مضيفاً "لقد أصبحت الصلوات لدينا مجرد عمل روتيني، نلفظ كلماتها دون التفكير بمعناها والتأمل برسالتها الروحية. فأي مستقبل تتوقع ياصاحبي للكنيسة حينما يكون اكليروسها بهذه الدرجة من العطالة والبطالة والاستهتار بها والاستخفاف بالإيمان الذي يطوعوه خدمة لغاياتهم الشخصية. اننا بحاجة الى "يعقوب رهاوي" جديد ليثور ويفضح الأخطاء ويطالب بالاصلاح" (انتهى كلام هذا الكاهن الورع). لا أعلم ان كان هناك مبالغة في هذه الصورة القاتمة عن الاكليروس أم لا، لكن تبقى الحقيقة ان الكنيسة تنهار بسبب قلة الايمان وكثرة الفساد الاداري وهي بحاجة الى اصلاح جذري شامل.

(العلامة السرياني الشهير يعقوب الرهاوي المذكور أعلاه (توفي عام 708)، كان مطران الرها فوجد ان البطريرك يوليان والمطارنة وبقية الاكليروس يخترقون القوانين الكنسية ولا يسيرون بموجبها واستحوذت الفوضى العارمة في الكنيسة. فأنتقد البطريرك والمطارنة وأنبهم فلم يردعوا، فأحرق مجلد القوانين الكنسية السريانية عند مدخل دير البطريركية أمام الجميع وهو يصرخ بالطريرك واساقفته "انكم تدعسون على القوانين ولا تحفظونها، فليست هناك حاجة اليها"، فاحرقها معترضاً لسوء ادارتهم واستقال من المطرنة وذهب ليعيش في دير مار يعقوب في كيشوم).

 إذا كانت خفايا ونوايا الاكليروس معروفة لقلة من الناس فقط، فان أغلب الناس يعلمون بأن الكثيرين من مطارنة الكنيسة وبقية اكليروسها يعيشون في حالة انقسام على بعضهم ضمن تكتلات وتيارت هزيلة تقوم على أسس شخصية ومكانية ومصالح سلطوية ومالية وإدارية الخ، وحالما تفسح الفرصة لبعضهم فتراهم يتهجمون على بعضهم البعض لأبسط الأسباب، ويتحدثون على بعضهم البعض بكلام قبيح والفاظ بشعة امام المؤمنين دون خجل، ويتشفون من بعضهم عندما يخطأ احدهم أو يقع في مأزق، هناك امثلة عديدة يعرفها الجميع لا نريد ذكرها. لكن كل هذا لا يكفي فهناك بعض الافراد التافهين من العلمانيين ممن يصطادون في المياه العكرة فيحقنون الاكليروس بالحقد والضغينة والكره لبعضهم البعض طمعاً للحصول على مكانة "هامة" لدى الاكليروس والكنيسة. انهم فعلاً كخفافيش الليل، يختبأون في جبة الكاهن ويحتمون بها. لقد تعب المؤمنون من هذه الالاعيب الصبيانية، وسأموا من هكذا مستوى لدى الاكليروس. لذلك ينتظرون الإصلاح الفوري.

 إذاً، ينتظر المهتمون بالشأن الكنسي من قداسة البطريرك افرام القيام بحملة صليبية شاملة لإصلاح الكنيسة من الداخل والخارج. فهو رئيسها والمسؤول الاول عنها والمخول لقيادة مشروع اصلاحها، فإما ان يصلحها وينقذها من موتها الروحي وحالتها التعيسة وإلا فانحدارها اليومي وتفككها البطيء سيستمر الى ان يبلغ الحضيض وهو شاهد على ذلك، والتاريخ لا يرحم احداً. والبطريرك افرام قادر على ذلك، فهو رجل متعلم عاش اكثر من نصف عمره في بلاد الغرب كطالب وراهب ومطران. فبالإضافة الى العلوم الكنسية التي أصابها، فقد تعلم فيها الجرأة والمبادرة وعدم التبعية لأي جهة غير سريانية. فنتمنى ان يستمر بهذا السبيل الجيد، وان انحاز منه فيجب العودة السريعة اليه.

 نعم، كان البطريرك افرام اثناء مطرنته معروفاً بشجاعته وغيرته السريانية وعدم قبوله بالتبعية السياسية لأي نظام وحكومة ولا بالتبعية الذمية الذميمة. لكن بعد ارتقائه سدة البطريركية وضع نفسه في خدمة بعض حكومات الشرق الأوسط مجاناً دون الحصول على أي مقابل او اي استفادة للسريان، كما حصلت له زلات لسان وتصرفات غير ارادية في مواقف محرجة، لكن هذه تحصل للبشر جميعهم. لأن كل انسان مهما كانت مرتبته وموقعه فهو معرض للتجارب والوقوع في الخطأ بمعرفة أو بدون معرفة، فالبابا والبطريرك ورئيس الأساقفة وغيرهم ليسوا استثناء من هذا. لكن لا نقبل بان يكون للبطريرك تبعية لأي نظام أو جهة سياسية، فلا ينبغي ان يعادي أي نظام لحساب نظام آخر. عليه اتباع الحياد من كل الاحداث السياسية، لكن إن تكلم بالسياسة فيجب عليه فقط الدفاع عن السريان والمطالبة بحقوقهم بدون خجل او مجاملة.

 نطلب من قداسة البطريرك ان يكرس معظم وقته وفكره في هذه المرحلة العصيبة لخدمة عملية الإصلاح المنتظر، وان لا يضيع وقته الثمين في أمور أخرى غير مهمة للكنيسة ومستقبلها، لأن هذا حدث ويحدث. فمثلاً أمضى البطريرك الكثير من الوقت في موضوع  ܣܝܦܐ "سيفو" (إبادة السريان)، وهذا غير مقبول بهذا الحد. لان هذا الموضوع هو من عمل المؤسسات السريانية القومية والسياسية وهي ناشطة فيه. لكن إذا أراد قداسة البطريرك ان يؤدي واجبه كشخص سرياني في خدمة قضية إبادة السريان "سيفو" كان عليه ولا زال، ان يطالب من حكومات الشرق الأوسط، وخاصة سوريا ولبنان والعراق وتركيا، الاعتراف بمجازر السريان بشكل رسمي، بدل من ان يسافر الى هنا وهناك لتشييد نصب للشهداء السريان فيضيع الكثير من الوقت وبكلفة كبيرة.

 كنا قد تابعنا حفلة تنصيب البطريرك واستمعنا الى الكلمات والخطابات التي القاها والاحاديث التي أعطاها للصحافة بعدها، فأعجبنا بها جداً واعطيناه حينها علامة ممتازة من النجاح، منها اعطاء الأولوية للغة السريانية، نرجو الاستمرار بتطبيق مضمون خطاباته ووعوده واحاديثه ولا نقبل التراجع عنها ابدا. ونحن نعلم بان هذه الأمور قريبة لقلبه وهو قادر على إنجازها، ونحن نثق بذلك. فمثلاً ننتظر منه ان يطالب جميع حكومات الشرق الاوسط وبرلماناتها، خاصة سوريا ولبنان والعراق، الاعتراف بالسريانية كلغة وطنية ثانية فيها.

 ان الإصلاح الذي نتحدث عنه وننتظر من البطريرك البدء به، يجب ان يشمل كل الأمور الكنسية الكبيرة والصغيرة دون استثناء، لكن يجب ان يبدأ بالكهنة من اعلى درجة كنسية الى أصغرها لان الانسان هو الأهم. أي ينبغي على البطريرك الذي هو قائد الإصلاح ان يبدأ أولاً بعملية اصلاح البطريرك والبطريركية والمطارنة وبقية الاكليروس على أسس روحية صرفة. ويتم ذلك بالتتلمذ على يد علامتنا السرياني الفيلسوف ابن العبري (1226-1286)، وذلك من خلال دراسة كتابيه ܐܝܬܝܩܘܢ "الإيثيقون" في حسن الاخلاق والمعاملة الجيدة، وكتاب ܟܬܒܐ ܕܝܘܢܐ "كتاب الحمامة" في تهذيب اخلاق النساك وتطبيق تعاليمهما الهامة. فهذه الكتب هي افضل مدرسة لتهذيب اخلاق الكهنة وتقدم لهم النصح والإرشاد حول كيفية الابتعاد عن الخطيئة والشر والرذيلة والكلام الباطل وزلات اللسان، وتعلمهم كيفية التصرف والتحدث والجلوس وآداب الطعام وضبط الحواس والضحك والحركات الجسدية اثناء الحديث، والترفع عن كل ما يغذي الغرائز التي لا تليق بالكهنة بل تقودهم الى السقوط، وتنقية نفوسهم من الاهواء الشريرة، وتخلصهم من العيوب كالشراهة والغضب والحقد والحسد والنميمة والشهوات والتفكير في الأمور الدنيئة والمجد الفارغ والكبرياء والتفاخر والغرور بالنفس، وما الى ذلك من العيوب التي يمكنها ان تقود الى سقوط الاكليروس بكل درجاته. إن هذه النصائح الهامة الموجودة في هذه الكتب القيمة كافية لإصلاح العالم كله، وخاصة اصلاح سلوك الكهنة وتقوية ايمانهم وتصرفاتهم فيخلقون من جديد وتصبح حياتهم كلها محبة وايمان وخدمة وتواضع واعمال نظيفة، فيقتدي بهم المؤمنون وتنهض الكنيسة معهم من كبوتها.

  أما فيما يتعلق بإحياء الايمان الفاتر وتجديد الحياة الروحية لديهم، فيجب على الجميع، البطريرك والمطارنة والرهبان وجميع الكهنة، مواصلة التأملات الايمانية بجهاد روحي كبير دون انقطاع. وان يطالعوا بانتظام الكتب التي تعلم وتنمي وتقوي الحياة الروحانية ويمارسوا تعاليمها وطرائقها باستمرار، وحينها سيستعيدوا الجانب الروحي الهام الذي فقدوه من حياتهم بسبب اخطائهم واعمالهم التي بسببها وضعوا الكنسية في نفق مظلم. لذلك عليهم بدراسة مؤلفات اساطين الحياة الروحية مثل ܐܝܣܚܩ ܕܢܝܢܘܐ اسحق السرياني النينوي القطري (القرن السابع) و ܫܡܥܘܢ ܕܛܝܒܘܬܗ شمعون دطيبوثه (القرن السابع) و ܝܘܚܢܢ ܣܒܐ ܕܕ̈ܠܝܬܐ يوحنا الدلياتي  (القرن الثامن) وغيرهم من عمالقة معلمي الروحانيات ليجددوا انفسهم وايمانهم، ويولدوا ثانية ولادة روحية حقيقية فتغمر المحبة الانجيلية الربانية  قلوبهم وحياتهم تمكنهم من النهوض، فتنهض الكنيسة معهم. (ان كتابات وتعاليم اسحق السرياني الروحية لا زالت لغاية اليوم تحتل مكانة عالية في تعليم الدراسات الروحانية في الكثير من الاديرة والمدارس الرهبانية في الكثير من دول العالم، ويقتفي بأثرها الكثير من الرهبان في العالم لتقوية حياتهم الروحية، وخاصة رهبان جبل آثوس في اليونان ورهبان البرية في مصر، حيث يرتشفون منها حياة روحانية ايمانية صافية تملأ حياتهم فيحصّنون أنفسهم بها ضد الشرير والسقوط. أما كهنة السريان فللأسف، فبالكاد سمعوا باسم اسحق النينوي السرياني ودوره في الحياة الروحية، فتصور!).

 يعلمنا التاريخ بان بعض الآباء والرهبان وقعوا في حمأة الخطيئة. فكان الدواء الناجع لهم دراسة كتب الآباء الروحيين ليلا نهارا والتعمق بها واتباع نصائحها. فانتشلتهم هذه الكتب من حضيض الخطيئة والرذيلة الى سماء الطهارة والفضيلة، فأصبح منهم قديسين شهيرين.

(ملاحظة: ان كنائس الطوائف تعاني من مشاكل مشابهة وهذه النصائح تنطبق عليها ايضاً)

 الجزء الثالث

 

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها