تبرع

| الرئيسة سياسة |  روابط | نشيد قومي | أرشيف | إتصل بنا | 

إستراتيجية ضرب الشرعية الوجودية للمجتمع المسيحي

090301

نديم بو يزبك

ماذا وراء إستهداف البطريركية المارونية؟ هل البطريرك صفير هو المستهدف كشخص؟ وهل رأيه السياسي يزعج بعضهم لدرجة التحقير به والتخلي عن القيم والأخلاق في التعاطي معه؟

هذا ما هو مرئيّ للناس وهذا ما يظنه بعض الذين لم يمتحنواحزب الله والعقيدة التي ينطلق منها لتحقيق الإيديولوجية التي يصبو اليها.

إن متابعة النهج التي إنتهجه أفرقاء عدّة منذ قيامة لبنان وحتى الآن يعرف أن تدمير المسيحيين أو إضعافهم أو إخضاعهم لإخراجهم من المعادلة السياسية اللبنانية هو ما سعى اليه كثيرون وفشلوا في تحقيقه. ومن المهم أيضاً هنا أن نسلطّ الضوء على القاسم المشترك بين هذه القوى وهو أنها إعتمدت النهج والأسلوب ذاته من أجل محاربة المسيحيين ألا وهو مهاجمة الأحزاب المسيحية التي كانت تعكس ضمير الشعب المسيحي من حزب الكتائب اللبنانية الى القوات اللبنانية مروراً بأحزاب المقاومة اللبنانية كلها. اعتمد الفلسطينيون والسوريون وحتى الميليشيات اللبنانية الأسلوب نفسه والمقاربة نفسها للملف المسيحي في ذاك الوقت والتاريخ شاهد على ذلك.

ولكن ما الذي تغيّر اليوم؟ يقول بعضهم أن الأحزاب المسيحية ضعفت ولذلك أصبح من الضروري محاربة الأقوى ألا وهو البطريرك صفير وذلك من أجل الضغط عليه لإقناع المجتمع المسيحي بواقع سياسي معيّن لصالح فئة من دون الفئة الأخرى وبذلك يبقى التحالف قوياً ويستطيعون قيادة لبنان كما يشاؤون. وبعض آخر يقول أن الدور السياسي الذي يلعبه البطريرك صفير في هذه المرحلة هو الذي أدى الى مهاجمته كأي فريق سياسي لا كبطريرك ديني.
الأمور ليست أبدا كما يجري تصويره ...والعدو السياسي ليس أبداً كما يمكن ان يفكر البعض ... والخصم المسيحي ليس أبداً بهذا الذكاء...الأمور أكبر من ذلك بكثير...يستهدفون تاريخنا وجذورنا وتراثنا وكل شيء ننتمي اليه وبالأحرى يستهدفون رمز وجودنا وأصلنا وكرامتنا ولكن لماذا؟

العقيدة الدينية التي تتحكم بحزب الله تجعله يضع نصب عينيه تحقيق الإيديولوجية التي يؤمن بها ونشرها بالطريقة الأسلم والتي تضمن عدم إنهزامها في أي من الظروف. ومن المؤكد أن القيميين على هذا الموضوع في حزب الله ليسوا ممن يفكرون بالطريقة التقليدية لممارسة السياسة اليومية بل هم من الكوادر التي تمعن في التفكير والتحليل والتخطيط من أجل وضع أفضل إستراتيجية ممكنة لتحقيق الأهداف المطلوبة. ومن المؤسف أن هذا الموضوع غائب كلياً عن معظم الأحزاب اللبنانية التي لا تستطيع مواجهة هكذا نوع من التخطيط فرأيناها تضمحل الواحدة تلو الأخرى وتذوب في المجتمع الشيعي لصالح حزب الله، أما البقية فإما وضعت نفسها في مأزق المواجهة العسكرية المباشرة مع الحزب أو الإنصياع للمطالب تحت حجة المحافظة على السلم الأهلي ومن ناحية أخرى هناك قلة إختارت التحالف مع حزب الله وهي جاهلة كل الجهل لطريقة تفكيره ومخططاته المستقبلية وترى أن الكلام المدروس جداً من قبله والذي يصرحه أمامها هو الذي يعبر عن حقيقة مشاعره وتفكيره.


توصل مفكرو حزب الله، وبعد درس طويل ومعمق للحال المسيحية في لبنان، الى أن محاربة الأحزاب المسيحية إنعكس إيجاباً على هذه الأحزاب نظراً الى أن المجتمع المسيحي كان يلتف حولها عند أي خطر وبالتالي كان يقوي حال العصبية والإنتماء لدى هذا المجتمع. وحتى لو تمكن من كسر هذه الأحزاب عسكرياً أو سياسياً، فلن يتمكن حزب الله من فرض إيديولوجيته على المجتمع وذلك لأن إنتماء المجتمع المسيحي ليس في أحزابه بل في تاريخه وجذوره وأرضه ومقاومة أجداده وبطاركته منذ 1500 سنة التي وبرأي المسيحيين بعامة والموارنة بخاصة يختصرون بشخص البطريرك الذي يرأس البطريركية المارونية وكل ما تمثل من بعد تاريخي يشعر المسيحيون بالإطمئنان والإنتماء الى عراقة هذا الرمز.

لقد أدرك المفكرون في حزب الله أن النتيجة الأضمن لفرض إيديولوجية معينة على مجتمع هي ضرب الرمز التاريخي لهذا المجتمع وجعله محايد عن أي شرعية وجودية مما يسهل وضعه في أي إطار وفرض عليه شرعية من مكان آخر تسيطر عليه من دون أن يدرك أعضاءه فيجدون أنفسهم قد تحولوا من مجتمع الى آخر ومن عقيدة الى أخرى من دون أن يحسّوا بذلك.

وبما أن البطريركية المارونية المتمثلة بشخص البطريرك أياّ يكن، هي شرعية وجود هذا المجتمع المسيحي في لبنان، أتت التوصيات من هؤلاء المفكرين في حزب الله بضرب هذا الموقع وجعله موقع تجاذب وإبعاده عن شريحة كبيرة من مجتمعه لضرب صورته كشرعية وجود وبالتالي يصبح المجتمع المسيحي مجتمعًا لا شرعي بالمعنى الإنتمائي والعقائدي وبذلك يسهل على حزب الله البدء بإعطائه الشرعية التي يريد وكل ذلك من دون إطلاق رصاصة واحدة.
ومن المؤلم أن نرى أن الأداة التي تطبق هذا المشروع هي أداة مسيحية، ولا شك أن هؤلاء ليسوا على علم بكل هذه الفلسفة المعتمدة من حزب الله بل متوهمين بالحصول على مقعد نيابي من هنا أو مقعد وزاري من هناك...
فللمسيحيين نقول : لا يستهدفون البطريرك من أجل مواقفه السياسية الراهنة، ولا يستبدلون الإنتماء المسيحي اللبناني من بكركي الى براد في سوريا عن طريق الصدفة ولا ينصبون بطريركاً سياسياً وليّاً على المسيحيين إلا تنفيذاً لإستراتيجيتهم ومخططهم الذي سيصلون الى تحقيقه ما لم نع أننا كمجتمع مسيحي...في خطر داهم وأن هذا الخطر ليس سياسيًا، بل وجوديًا

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها