|
بكركي تطرح
مبادرة كاملة
ليس من المبالغة في شيء إذا ما قلنا أنه ومع
إنسداد الأفق أمام كل الحلول والمبادرات ، وإلى الآن على الأقل ، وبالرغم
من كل المساعي التي تبذل بين الحين والآخر ، تظهر أكثر فأكثر أهمية
الإضاءة على الدور الوطني لبكركي والذي يوازي في أهميته دورها الروحي
والديني . وعلى أنّ المرحلة القادمة ستشهد العديد من الإستحقاقات سواء
على صعيدي الداخل أم الخارج ، ففي إعتقاد مصدر سياسي متابع ، أنّ تحركات
بكركي ستشهد إرتفاعا في وتيرتها لصالح محاولات حثيثة ومستمرة بإتجاه
التوصل إلى ما يشبه الهدوء السياسي الذي من شأنه أن يؤمن الوصول إلى
إنتخابات رئاسية طبيعية وفي موعدها ، وهذا ما تراه بكركي من الضرورات
الأساسية لركائز لبنان ، وهو ما حضّرت له مسبقا ، أو أوحت به من خلال
مطالبتها المتكررة بضرورة قيام حكومة وحدة وطنيّة . وليس من المبالغة
أيضا ، وفي رأي المصدر أنّ عناصر حل الأزمة الخانقة ، باتت الآن مُجمّعة
عند البطريرك صفير وهي ما كانت تختلف عليه الغالبية السياسية في لبنان
والتي كانت منقسمة بين من لا يريد لبكركي أن تكون القوة الإيجابية التي
تساعد في معالجة الأمور ، وبين من لا يقرأ دورها السياسي على حقيقته ،
فضلا عن وقوعها في خطأ الخلط بين الموقعين الروحي والوطني لبكركي .
ويُشير إلى أنّ خطوط التوازن بين هذين الموقعين تكمن ملاحظتهما من خلال
العديد من المحطات وهي ليست بجديدة ، وتكفي العودة إلى بداية الأزمة بين
الموالاة والمعارضة لتبيان الخط البياني لمواقف بكركي والتي لم تختلف منذ
البداية وإلى الآن وأهمها :
·
الدعوة التي وُجهت
إلى بكركي من كل من 14 آذار والعماد عون لإحياء القداديس في كل من السراي
وساحة رياض الصلح في بداية إعتصام المعارضة ، فأوفد البطريرك حينها
المطران بولس مطر ليقوم بالمهمتين على السواء ، وفي ذلك تعبير واضح على
محافظته على المسافة الواحدة من الطرفين .
·
" الثوابت " التي
أطلقتها بكركي في بيانها بتاريخ 6/12/2006 والتي ركزّت في مضمونها على
ضرورة التمسُك بالحوار والطائف وتشكيل حكومة تمهّد لإنتخابات رئاسية
صحيحة ، وهذا ما أيده الطرفان المتنازعان في حينه .
·
" الإستراتيجية "
البروتوكولية التي إعتمدتها بكركي مع جميع الأطراف ، حيث فتحت أبواب
الصرح أمام الجميع من الموالاة والمعارضة ومنهم على سبيل المثال لا الحصر
الرئيس بري ، العماد عون ، حزب الله ، الدكتور سمير جعجع ، كتلة النائب
الحريري ، كتلة النائب جنبلاط ، وغيرهم ...
·
تحذير البطريرك
صفير وفي أكثر من عظة له من مخاطر إقرار المحكمة الدولية تحت البند
السابع ، وضرورة التوافق المسبق قبل الوصول إلى هذا الإقرار .
·
زيارة صفير الأخيرة
إلى قصر بعبدا ، وما حملته في حينه من معان وأبعاد .
·
الموقف الأخير
لبكركي والذي صدر إثر خلوة المطارنة وطالب بضرورة قيام حكومة وحدة وطنية
تُمهّد لإنتخابات رئاسية دستورية .
من خلال كل ذلك ، يعتبر المصدر أنّ لبكركي دورا
مهما يجب أن تلعبه في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد ،
والعمل على تحويل تحركها من مجرد المواقف
والتصريحات إلى تحرك يأخذ شكل المبادرة الكاملة ، والإمساك بمجمل الأوراق
المسيحية ، وإلزام الأفرقاء به ، تحت سقف عدم توصلهم إلى أي إتفاق
ووصولهم إلى الطريق المسدود ، وذلك أيضا بالتزامن مع نضوج الحركة
السياسية الدولية تجاه لبنان ، بما يؤمن أو يساعد في الوصول إلى الحل
المرتقب ، قبل خراب البصرة التي
بدأت بوادرها تلوح في الأفق .
هل
هناك من مصلحة في إتهام سورية بوقوفها وراء منظمة فتح الإسلام ؟
إقحام سورية في الأحداث الدامية في مخيم نهر
البارد وإتهامها بالوقوف وراء كل المجموعات الإرهابية على كامل الأراضي
اللبنانية ، مسألة على جانب كبير من الأهمية في هذا الظرف بالذات ، وبصرف
النظر عن حجم مسؤولية دمشق عمّا يجري ، ثمّة مصلحة كبيرة للجميع في
تصويرها ممسكة بجميع خيوط التفجير الأمني والسياسي الحاصل في لبنان ،
وحجم المسؤولية بالمناسبة غير صغير ، إذا أخذ المراقبون في الإعتبار على
الأقل ، حركة أعضاء التيارات السلفية عبر الحدود اللبنانية – السورية ،
وموقف التنظيمات الفلسطينية التي لها مكاتب في دمشق ممّا يجري. وإحجام
القيادتين السياسية والعسكرية في سورية ، عن إتخاذ تدابير ومواقف علنية
على مستوى دعم الجيش أو تقديم المساعدات اللوجستية له والتي يبدو أنه في
حاجة ماسة إليها أو على مستوى المعلومات الإستخباراتية للجيش اللبناني
الذي لا يزال يعتبر نظيره السوري حليفا له . ولدى إستعراض مصالح الأطراف
من إتهام سورية يبدو التالي :
·
لتيار المستقبل
، ممثّل السنّة الأول في لبنان والناطق بإسمهم ، مصلحة كبيرة في ذلك لأنّ
تبرير حرب شرسة ضد إرهابيين تابعين للنظام السوري الذي يتهمه علنا
بإغتيال زعيمه رفيق الحريري ، وبإستهداف أهل السنّة خلال ثلاثة عقود ،
أكثر سهولة عليه من تبريرها ضد العدو الآخر المسمّى " القاعدة " والتطرف
الأصولي ذي الطابع الهيولي غير الواضح المعالم ، وفي منطقة قريبة من عكار
والضنية المتعاطفتين إلى حد ما مع التيارات السلفية التي تدعو إلى العودة
إلى الأصول الدينية والإلتزام بالشريعة الإسلامية وقد يرى البعض أنّ
لتيار المستقبل مصلحة في تصوير ما يجري في الشمال على أنه مواجهة ضد
الأصولية لأنّ شأن ذلك أن يُعزّز وضع الأحزاب المسيحية التي يتحالف معها
على حساب الأحزاب المتحالفة مع المعارضة ، وأن يشُد من أواصر تحالفه مع
الدروز ، وأن يفتح الباب أمام التقارب مع الشيعة المستهدفين من التيارات
التكفيرية أكثر من " أهل الكتاب " غير أنّ الفائدة المرتجاة من هذا الأمر
هي دون ما يعفيها من التشكيك بها من القواعد الإسلامية ، رأسمالها
الأساسي في لبنان وسائر الدول العربية .
·
للدروز مصلحة
أيضا في إتهام سورية بغية عدم إضعاف الفريق الإسلامي السنّي الذي يراهنون
عليه لمصلحة الفريق السنّي الذي يعتبرهم " دون النصارى " مرتبة إلى
المسلمين ، وبما أنّ لهم مصلحة كبيرة في بقاء الجيش موحدا وقويا ، فمن
الطبيعي أن يعتبروا أنّ إتهام سورية من شأنه أن يزيل كل إلتباس قد يكون
له تأثير ولو محدود على وحدة الجيش .
·
من مصلحة الشيعة
أيضا أن تُتهم دمشق بتحريك " فتح الإسلام "
لأنّ تصوير الأحداث الجارية في الشمال على أنها تستهدف ضرب الأصولية
السُنية سيعيد إلى السطح الكلام عن صوابية نزع سلاح هذه المجموعات في حين
يحتفظ حزب الله المتهم بأنه رمز الأصولية الشيعية في لبنان ، بكامل
ترسانته ، ناهيك عن أنّ سقوط تيار المستقبل سياسيا وشعبيا ، على سبيل
الإفتراض ، سيؤدي حكما إلى تعويم القوى الأصولية السُنية التي رأيها
معروف بالشيعة على وجه الأجمال .
·
للمسيحيين
أيضا مصلحة كبيرة في إتهام سورية لأنهم يدفعون ثمن كل
تأثير سلبي على وحدة الجيش بإعتبار أنهم غير مسلحين أبدا بعدما جرى
إنتزاع السلاح منهم وحتى الفردي من القواعد الحزبية المسيحية من جانب
الأجهزة الأمنية أيام الهيمنة السورية . أما الإعتبار الأهم فهو أنّ وحدة
الجيش وصموده تعنيان لهم الكثير على مستوى منطق سيادة الدولة على كل
أراضيها الذي يضعونه في المرتبة الأولى من سلم أولويات الثوابت الوطنية
إضافة إلى ذلك ، من الأفضل لهم ، على مستوى الأمل في المستقبل ، أن تبقى
سورية التي إختبروها وخاصموها ويعرفون قدراتها في نظرهم هي المسؤولة عن
عدم الإستقرار ، لأنّ إتهام الأصوليين سيزيد من قلقهم وهجرتهم .
وإذا كان من البديهي القول
إنّ إتهام سورية يلائم الجيش اللبناني أيضا ، فيمكن الذهاب إلى أبعد من
ذلك والقول أنّ إتهام دمشق بالوقوف وراء مسلحي " فتح الإسلام " يناسب في
بعض الأوجه سورية نفسها . إذ إنّ ذلك لن يزيد من سوء العلاقات مع
اللبنانيين لأنها بالأصل سيئة ، ومن ضغوط المجتمع الدولي عليها لأنه منذ
ثلاثين سنة يتهمها بإيواء الإرهاب ودعمه وليس فقط إبتداء من إحتلال
العراق أخيرا ، بل قد يقنع الولايات المتحدة ، وبعض الأُسرة الدولية
بضرورة التفاهم معها .
|