|
الأب بولس الكفرنيسي - لبنان (1888-1963)
لمحة
تاريخية
القس
بولس الخوري الكفرنيسي الراهب اللبناني الماروني
(1888-
1963)
استاذ اللغة
السريانية في مدرسة الرهبانية اللبنانية المارونية سابقاَ
مؤلف كتاب
غرامطيق اللغة
الارامية السريانية
( طبع في
بيروت 1962)
ننشر هنا مقدمة كتاب
غرامطيق اللغة الارامية السريانية لاهميتها
القومية في توحيد طوائف وفرق الشعب الارامي;
اذ يعتبر الكتاب المذكور من أهم المصادر والكتب لدراسة قواعد السريانية
الارامية. ويعتبر مؤلف الكتاب الاب بولس الكفرنيسي اللبناني الماروني من
اساطين الارامية والفكر
القومي الارامي.
ونصرح باننا في التنظيم الارامي الديمقراطي قد تعلمنا هذا الفكر القومي من
كتابة الاب الكفرنيسي ومن غيره. لذلك نتمنى من كل الاخوة والاخوات دراسة
هذه اللمحة التاريخية الهامة جدا.
لنقرأ مقدمة الكتاب
قد آثرنا ان نضع هذه اللمحة
التاريخية في صدر هذا الكتاب تذكرة لا بناء وطننا الاعزاء بشرف اصلهم
وترغيباً لهم في المحافظة على لغة ابائهم ومآثرهم الغراء فنقول:
الآراميّون هم بنو آرام بن
سام. وكانوا امّة كبيرة مشهورة. مواطنهم من اقدم الايام البلاد الفسحة
الارجاء التي توطنوها مع ابيهم قبل الجميع فسّميت باسمهم " بلاد أرام او بلاد
الآرامييين". وهي المحدودة شرقاً بيلاد الفرس وغرباً بالبحر الابيض المتوسط
وشمالا ببلاد الارمن واسيا الصغرى وجنوباً بشبة جزيرة العرب. فتكون من ضمنها
بلاد بابل وآشور ومابين النهرين وبلاد الشام ولبنان. وكان فيها للآراميين
ممالك كثيرة شديدة البأس عظيمة الصولة والشأن اكثر الكتاب المقدس من ذكرها
وذكر علاقاتها وحروبها المتواصلة مع العبرانيين.
ولما استولى اليونان على
هذة البلاد سنة 312 ق.م اطلقوا عليها اسم سوريّا... غير ان الآراميين
استمرّوا يسّمون بلادهم باسم آرام وينتسبون اليه حتى اعتنقوا الديانة
المسيحّية. وحينئذ اخذوا بغيرة مفرطة يغادرون اسمهم القديم <اراميين>
ويتسّمون سريانيين او سوريين. ويسّمون بلادهم سوريّا ولغتهم سريانية او
سورّية لكي يمتازوا عن بني جنسهم الآراميين الذين لم يعتنقوا النصرانية.
واضحت عندهم لفظة الآرامي مرادفة للفظة الصابيء والوثني. ولفظة السرياني
مرادفة للفظة المسيحي والنصراني. وياليتهم مع
شدّة غيرتهم على الديانة المسيحة استمروا محافظين على اسمهم الارامي الشريف
الذي لم يكن لينافي النصرانية في شىء بل كان من
شأنه ان ينعش فيهم
ذكر مجدهم السالف وعظمة دولتهم الآرامية على
ممرّ الازمان.
وتقسم البلاد الآرامية
السريانية الى قسمين: شرقية و غربية. فالشرقية هي البلاد الواقعة شرقي نهر
الفرات الى مملكة العجم ويعرف سكانها بالشرقيين نسبة اليها وهم الكلدان
الكاثوليك والنساطرة. والغربية هي البلاد الوقعة غربي نهر الفرات الى البحر
المتوسط ويعرف سكانها بالغربيين وهم الموارنة والسريان الكاثوليك والأورثوذكس.
ومن الآراميين ايضا الروم الكاثوليك والروم الارثذوكس سكان هذه البلاد.(1)
اما اللغة الآرامية فهي
احدى اللغات السامية كالعبرانية والعربية والحبشية
(2) ومن اقدمها واشهرها. وقد
انتشرت انتشاراً عظيما في البلاد الآرامية كلها من اقدم الايام. بل تجاوزتها
الى غيرها من البلدان المجاورة مثل
آسيا الصغرى وارمينيا وبلاد العرب ومصر
وغيرها. وهي اول لغة عرفها التاريخ في اقطارنا السورية واللبنانية ومازالت
تزداد شهرة وانتشاراً حتى تغلبت على سائر اللغات السامية في نحو القرن الخامس
ق.م واصبحت وحدها لغة الاهالي من اقصى بلاد بابل الى اقصى بلاد فلسطين كما هو
ثابت عند عموم المؤرخين.
قال العلامة
المحقق الاب هنري لامنس اليسوعي (مجلة المشرق لسنة 1903 ص 705 و707) "
ومن عجيب الامور ان انتشار لغة الآراميين بلغ على عهد السلوقيين مبلغاً عظيما
فاضحت اللغة السائدة في كل آسيا السامّية اعني في سوريا وما بين النهرين وبلاد الكلدان
والعراق وجزيرة العرب... وكان المسلمون
أيضاً يدرسونها لكثرة فوائدها. وقد
كتب بها الارمن مدّة قبل انتشار الارمنيّة وحروفها. وقد بلغ امتداد هذه اللغة
الى اقاصي الشرق
في الصين شمالا وفي الاقطار الهندية جنوباً. كما انها بلغت
جنادل النيل. فلا نظن ان لغة اخرى حتى ولا
اليونانية جارت السريانية في اتساعها اللهمّ الا الانكليزية في عهدنا".
ومن المحقق الذي لا ريب فيه
انها تغلبت على اللغة العبرانية منذ الجلاء البابلي سنة 599 ق.م. فان
العبرانيين لما سبوا الى بابل واقاموا فيها نحو 70 سنة نسوا لغتهم العبرانية
وتعلموا اللغة الآرامية التي يسّميها العلماء الآرامية الفلسطينية او
السريانية الكلدانية. وبهذه اللغة الكلدانية
كُتب سفرا دانيال وطوبيا وسفر
يهوديت وسفر عزرا وسفر استير. ولقد كان اليهود ينزلونها منزلة سامية من
الاعتبار كما يتضح من اقوال علمائهم مع انهم كانوا يمتهنون اللغات الاجنبية.
ونقلوا اليها الاسفار المقدسة وسموا ذلك النقل "الترجوم" اي الترجمة. وقد
تمكنت فيهم حتى دعوها ايضاً عبرانية نسبة اليهم. واستمروا يتكلمون بها حتى
ظهور السيد المسيح الذي تكلم بها هو ووالدته المجيدة وتلاميذه. كما يتضح من
الفاظ وآيات عديدة تركت على اصلها في الانجيل الكريم منها اسماء الاعلام
والاماكن المختومة بالف الاطلاق حسب اوضاع اللغة الآرامية نحو "توما" و "
شيلا" و "برابا " و "برنابا" و "عسقا" و "مرتا" و بيت عنيا" و "بيت حسدا" و
"حْقلْ دما" و منها لفظة "ربي" و ربوني" و اوشعنا" . ومنها تسمية المخلص لسمعان
بن يونا رئيس الرسل "كيفا". وقوله للاعمى "إتفتح" وللصبية " طليثا قومي"
وصراخه على الصليب " إيلي إيلي لما شبقتاني" وبهذه اللغة كتب متى انجيله وبولص
رسالته الى العبرانيين. وقد بقيت مستعملة في اليهودية وبلاد فلسطين الى القرن
العاشر.
وقد تقسمت اللغة الآرامية
الى فروع او لهجات عديدة بسبب اختلاف الازمنة والاماكن التي كانت منتشرة
فيها. واشهر فروعها ستة: الفينيقية والرهاوية والفلسطينية والتدمرية والنبطية
والمندية.
(3) والرهاوية افصحها واكملها ولذلك اختارها الكتبة الآراميون وفضلوها
على سائر الفروع الأخر. فنقلوا اليها اسفار العهدين القديم والجديد منذ
انتشار النصرانية. وألفوا بها الكتب والصلوات والرتب البيعة وترجموا اليها
كثيرا من كتب اليونان الدينية والعلمية والتاريخية والادبية
(4) فكان ذلك اعظم
داع الى اجماع الاراميين على استعمالها في كل البلاد اللآرامية وفي فلسطين
والهند الشرقي الى يومنا. على ان العوام لبثوا يتكلمون بلهجاتهم الرهاوية
وغيرها. وقد ظلت الآرامية سائدةّ في هذه الديار حتى الغزو الاسلامي. فاخذ
يسري اليها الضعف شيئاً فشيئاً بسبب مخالطة اهلها للعرب. ومع ذلك بقي العلماء
يؤلفون فيها. والايمة يلقون بها الخطب والمواعظ في مجتمعات المؤمنين.
والاهالي يتكلمون بها حتى تغلبت عليها اللغة العربية في القرن العاشر واصبحت
لغة العامّة مكانها. وبقيت هي مستعملة في الكنائس ومحفوظة عند العلماء الذين
شرعوا مذ ذاك يشرحون للشعب فصول الكتاب المقدس و يفسّرون كتبهم اللّغوية وغيرها
باللغة العربية. وما زالت مستعملة في كنائس الموارنة والسريان والكلدان الى
اليوم.
وانما تغلبت اللغة العربية
يومئذ على الآرامية العامية في المدن وما جاورها بسبب كثرة العرب فيها
ومخالطة اهلها لهم. اما الاماكن التي لم ينزلها العرب فلم يزل سكانها يتكلمون
بالآرامية الى الآن، منها قرى معلولا وبخعة وجب عدين في شرقي دمشق
(5) وجبال
طورعبدين وقرى آثور وجبال كردستان وزاخو. والجانب الغربي من بحيرة اورمية.
حتى ان لبنان مع كل قربه من
عاصمة خلفاء العرب الامويين وغيرها من المدن السورية التي احتلّوها وانتشار
جيوشهم في سواحله. فقد بقيت الآرامية لغته العامية زماناً طويلا بعد الجيل
العاشر ايضاً لعدم وقوعه في حوزتهم. واستمرّ الاهالي في جهته الشمالية
يتكلمون بها الى الجيل الثامن عشر كما يظهر مما كتبه
العلامة جيورجيوس السداني
الماروني في آخر كتابه " المنارة" الذي الفه سنة 1619 فقال "ولميناه... من
كتب توراة الحديثة والعتيقة... وحتى ايضا من لغات الحصارنة". ومما ذكره
العلامة مرهج بن نمرون الباني الماروني المتوفي سنة 1711 (في كتابه سلاح
الايمان المطبوع بروما سنة 1694 ق 1 راس 4 عد 24 ) حيث قال انه لامر يستوجب
الاعتبار ان بشراي وقرية حصرون التي تبعد عنها قليلاً وثلث قرى ومزارع غيرها
تحاذيها قد حفظ سكانها ولم يزالوا حافظين اللغة السريانية او الكلدانية
القديمة فيها يتكلم الرجال والنساء غالبا. ويقال ان
العلامة السمعاني
الماروني الشهير (1687-1768 ) لما عاد من رومية الى قريته حصرون خاطب والدته
باللغة السريانية.
(6)
وفضلا عن ذلك فان عددا لا
يحصى من الالفاظ الكنسية المنقولة عن الآرامية مازال تستعمله الخاصّة والعامة
من نصارى لبنان وسوريا وما بين النهرين كالشماس والقسيس والكاهن والهيكل
والمعمودية والمعمدان والعراب والاشبين والقداس والقربان والطبليت والزياح
والناقوس والدنح والفصح والملكوت الخ. ومئات من اسماء المدن والقرى والاعلام
وغيرها باقية في بلادنا على اصلها الآر امي.
فمن اسماء المدن والقرى صيدا
"الصيد" عانا "الغنم" عين طورا " عين الجبل" برمانا "محل الرمان" بكفيا " محل
الحجارة" بتدين "محل الحكم او الدين" بكامين "محل الكؤوس" بزمار "محل
الترنم" ماردين الحصون او القلاع" جزين "كنوز" كفريا "القرى" راشيا "الرؤوس"
فاريا "الثمار" رشميا "راس الماء" كفرنيس " قرية الراية" كفرزينا " قرية
السلاح" . ومن اسماء الاعلام نهرا "نور" شليطا "متسلط" سابا "شيخ" مرتا "
سيدة " ومن غير اسماء القرى والاعلام: شّوب "حر" شرش "اصل" شاقوف "آلة لقطع
الحجار" شكارة "قطعة ارض تزرع" ومن الافعال سمك: "اسند" شقل "حمل" شلح و طرح.
نزع " سكر "أغلق" وحتى الان لا تزال ترى اثار اللغة الآرامية ظاهرة في لهجة
اهالي هذه البلاد العامية. من ذلك تسكين اول الكلمة وثانيها نحو كتاب. بريق .
كبير . صغير. عليك . بخاطرك. ونحو قصبه. والتقاء الساكنين في وسطها
نحو
حضرتك . رفقتك. عمتك. خالتك.
وتسكين اخر الكلمة في غير الوقف ايضا نحو أكلت وشربت . انا و إنت.
وقد حصل مع تمادي الايام في
الآرامية الرهاوية نفسها بين الشرقيين والغربيين بعض اختلاف في اللفظ لم يؤد
الى جعلها لغتين بل بقيت لغة واحدة ذات لهجتين شرقية وتعرف بالكلدانية وهي
لهجة الكدان الكاثوليك والنساطرة اينما كانوا. وغربية وتعرف بالسريانية وهي
لهجة الموارنة والسريان الكاثوليك والأورثوذكس حيثاء وجدوا. واخص هذا الاختلاف
بينهما في الحركة المسماة
ܙܩܦܐ
- او – فالشرقيون يلفظونها فتحا طويلا والغربيون ضما طويلاً كما سياتي.(7)
ويظهر
ان لهجة الشرقيين هي الاقدم وانها هي التي كانت مستعملة قديما في كل البلاد
الآرامية وما جاورها (8) ما عدا انحاء في جبال طور عبدين بقرب ماردين. وعلى ذلك
ادلة كثيرة منها تسمية لابان الحراني لرجمة الحجارة التي اقامها هو وابن اخته
يعقوب ابو الاسباط شهادة
ً على عهد قطعاه بينهما بلغته الآرامية الكلدانية
ܝܓܪ
ܣܗܕܘܬܐ "رجمة الشهادة"
(تك 31-47 )
وذلك قبل المسيح بنحو
الف وخمسمائة سنة وهذه الجملة تلفظ الى اليوم في العبرانية والعربية وغيرها
"يغسرساهدوثا" كما يلفظ الشرقيون. منها شهادة مرهج الباني المذكور عن لغة
شمالي لبنان. ومنها وجود الالفاظ الباقية على اصلها في العربية وغيرها في كل
انحاء البلاد موافقة للفظ الشرقيين مثل بابل. حران. لبنان. زغرتا. مار. عبدا.
شينا. كيفا. وغيرها كما تقدم . وانت ترى ان لفظ هذه الكلمات وما شابهها
بالفتح كما كان قديماً لطيف وان آلف سمعنا ضمتها في اللهجة الغربية. اما كيف
ومتى تبدل الفتح الممدود ضمّاً عند الغربيين وتغيرت لهجتهم عن لهجة الشرقيين
فلا يعلم ذلك بالحصر. فربما اتخذ الأرثوذكس هذه اللهجة عن سكان طور عبدين كما
ظن البعض. اما الموارنة فلعل هذه اللهجة كانت خاصة ببعض قرى بلادهم ثم تغلبت
على اللهجة القديمة عندهم جميعاً. ومن العجيب ان تكون لغة شمالي لبنان
العامية في القرن الثامن عشر نفسه "الكلدانية القديمة" كما ذكر العلامة مرهج
الباني المشار اليه.
اما كتابة اللغة الآرامية
فاقدم قلم يعرف لها هو القلم المشهور بالفينيقي. وقد وجدت كتابات
آرامية به
في شمالي انطاكية وفي خرائب نينوى وجزيرة اصوان بمصر يرتقي عهد اقدمها الى
القرن الثامن ق.م وقد بقي الآراميون يستعملون هذا القلم الى القرن الاول ق.م.
ثم اخذ آرامّيو الرها وبابل وتدمر والشام وفلسطين وحوران يتفننون فيه حتى
تفرع منه لكلّ قوم قلم مختص بهم. وكان القلم الرهاوي المسمى باللفظ اليوناني
ܐܣܛܪܢܓܠܐ
"المستدير" اجملها واكملها. ولذلك غلب استعمالة
قي الجزيرة (اي ما بين النهرين) والعراق والشام ولبنان(9)
ثم تفرع عنه عند
الغربيين في نحو القرن السابع القلم الغربي المعروف بالسرياني المستعمل عند
الموارنة والسريان. وعند الشرقيين في نحو القرن الثاني عشر القلم الشرقي
المعروف بالكلداني المستعمل عند الكلدان وهو اشبه بالرهاوي. وقد امتاز
الكتبة
الآراميون باستنباطهم في نحو القرن السادس النقط الدقيقة حركات لكتابتهم. ثم
شرع الغربيون منذ القرن الثامن يستعملون ايضاً الحركات الخمس الماخوذة عن
الحروف اليونانية التي استنبطها
تاوفيلوس الرهاوي الماروني (المتوفي سنة
785م) عندما ترجم كتابي هوميروس الشاعر اليوناني المشهور الى السريانية . وقد
اقتدى العبرانيون والعرب بالاراميين في استنباط الحركات للكتابة.
وقد نبغ في
الامة الآرامية
عدد غفير جداً من العلماء الاعلام صنفوا في لغتهم التصانيف البديعة في كل
انواع العلوم وعنوا بترجمة الاسفار المقدسة اليها منذ بدأ النصرانية وشرحوها
شروحا جزيلة المنافع. وفي بلاد الشرق ومكاتب الفاتيكان وباريس ولندن وغيرها
عدد لا يحصى من مؤلفاتهم بعضها لا تزال خطاً وبعضها اشهرت مطبوعة بالحرف
الرهاوي او الحرفين السرياني والكلداني. ومن مشاهير هؤلاء الاعلام في التاريخ
المسيحي يعقوب افراهاط المتوفي (345)، وافرام ملفان الكنيسة الجامعة (359)،
وبالاي (400)، وربولا الرهاوي (430)، واسحق الانطاكي (459)، ونرسي(507)،
ويعقوب السروجي(522)، وتاوفيلوس الرهاوي الماروني (المتقدم ذكره)، وعبد يشوع
الصوباوى (1318) وغيرهم كثيرون.
وبين هؤلاء العلماء جماعة
كتبوا في آداب اللغة منذ اواسط القرن السادس. فبعضهم ألف في نحوها وبعضهم في
جمعها صيانة لها من الفساد والضياع بسبب اختلاط
الآراميين
بالاعاجم من الروم
والعرب . فمن الذين الفوا في نحوها يوسف الاهوازي استاذ مدرسة نصيبين (580)
وهو اول النحاة الآراميين. وعنان يشوع (650)، ويعقوب الرهاوي (708) وهو اشهر
النحاة القدماء، وحنين بن اسحق (876)، وايليا الطيرهاني(1049)، وابن العبري
الشهير(1287) وقد فاق كتابه الذي سماه
ܟܬܒܐ
ܕܨܡܚܵܐ
"كتاب الاشعّة" جميع من تقدموه̤
وعنه أخذ وعليه اعتمد جميع النحاة الذين اتوا بعده ولا سيما
العلماء الموارنة
واشهرهم: البطريرك الشدراوي (1745)، ويوسف سمعان السمعاني (1768)، والاب نعمة
الله الكفري اللبناني (1907)، والمطران يوسف دريان (1920)، والاب جبرائيل
القرداحي.
ومن غير الموارنة المطران
يوسف داود السرياني (1890) والمطران يعقوب اوجين منّا الكلداني (1928) والقس
اسحق ارملة السرياني.
ومن الذين الفوا في جمعها
وشرحها على ترتيب الابجدية زكريا المروزي (998) وهو اولهم. وابو الحسن ابن
علي (903)، وابو الحسن ابن بهلول ( 963) وكنابه اكبر كتاب في اللغة واصحّه
واشهرة. وجيورجيوس السداني الماروني المتقدم ذكره في كتابه "المنارة" وهو
جزيل المنفعة. والخوري مخايل المطوشي القبرسي (1705)، والقرداحي في كتاب
"اللباب" المشهور، والمطران يعقوب اوجين المار ذكره في كتابه " دليل الراغبين
في لغت الاراميين" وهو مختصر كبير الفائدة.
وقد كان
آباؤنا الموارنة
شديدي الحرص والمحافظة على لغتنا الآرامية العزيزة
حتى انهم بعد ماتغلبت
عليها العربية بين العامة منذ الجيل العاشر لم يبقوها لغتهم العلميّة
والطقسّية فقط بل انهم لما الجأتهم الضرورة الى استعمال العربية، أبوا الا ان
يكتبوها بحروف لغتهم الارامية المسماة "كرشونية"،
ليس في الكتب الطقسية المترجمة الى العربية فقظ بل في الكتب العلمية
والمرسلات وغيرها. ونعم ما فعلوا . وحتى الان نجد لرسائل عديدة بخط العلامة
السمعاني وغيره مكتوبة "بالكرشونية". وهذه مكاتبنا وخزائن كنائسنا المشحونة
بمخطوطات ايديهم الكريمة شاهدة على غيرتهم وفضلهم. وقد كان تعليمهم لها شاملا
لجميع المتعلمين فيهم بدون استثناء يقدمونه على تعليم كل لغة سواها.
ويتعاونون على اقامة الصلوات والرتب البيعية الجميلة بها برونق ومهابة تبهج
المسامع وتخلب القلوب.
غير اننا نرى اليوم مع الاسف
الشديد هذه اللغة العزيزة الشريفة لغة السيّد المسيح واعظم الشعوب قد اصبحت
بحالة التأخر والضعف الشديد في بلادنا لقلة العناية بها، والاهتمام بتعلمها.
ولذلك لم نعد نرى في كثير من كنائسنا واحتفالاتنا المقدسة ذلك البهاء القديم
وتلك الفخامة الرائعة اللذين كانا في الايام الماضية.
على انه بقي لها والحمد لله
مناصرون عديدون ناصروها وعاضدوها ولا يزالون. فها ان جمهوراً من المستشرقين
الكرام يقبلون من كل صوب على درسها والبحث عن كنوزها الغنية ونشر مؤلفات
علمائها. وها ان اخواتنا ابناء الامة الكلدانية الشريفة يبذلون كل نفيس في
صيانتها ورفع شانها ولا تزال في مدارسهم زاهرة زاهية.
وعدداً غير يسير من
مدارس طائفتنا المارونية العزيزة واخواننا السريان الكرام تبذل عناية وافرة
بها. وكثيرين من اكابر علمائنا في هذا العصر لا يزالون مجدين في اتقانها
ويؤلفون بها التآليف الحسنة. وها ان غبطة بطريركنا
المحبوب وسائر بطاركة الملل الآرامية السريانية السامي احترامهم
يدافعون عنها في كل وقت ويحرضون رؤساء المدارس باقوالهم ورسائلهم ومناشيرهم
على تعليمها. واحبار بلادنا ورؤساءها وافاضل قومنا وادباءنا وروساء كثير من
مدارسنا نراهم متفقين جمعياً على وجوب تداركها وتلقين مبادئها للناشئة
الوطنية. ناهضين لدرء الاخطار التي تتهددها لمعرفتهم الضرر الديني والادبي
الذي ينتج عن ضعفها واهمالها. اثابهم الله.
والآن رغبة في المحافظة على
هذه اللغة العزيزة وصيانة طوقوسنا الجميلة الموضوعة بها، نورد على سبيل
التذكرة بعض الوسائط المساعدة على نشرها ووقايها في بلادنا وهي:
1.
اتقان
تلامذة المدارس الاكليركية وبعض الخاصة لها وعدم الاكتفاء بمعرفة قواعدها يسيرة
فيستطيعون اذ ذاك ان يفقهوا معانيها ويحتنوا فوائدها ويرغبوا في نشرها
وتعزيزها. ويا حبذا لو صح ماتمناه بعض الادباء الغيورين وهو ان تجعل لغة بعض
الرهبانيات الني تخاطب ابناؤها باللاتينية او الايطالية مثلا.
2.
نشر
اصحاب الغيرة لما يسطيعون من الكتب السريانية المفيدة مطبوعة كما فعل كثيرون من
اصحاب الفضل قديماً وحديثاً. واقتناء مثل هذه الكتب وجعلها بين ايدي الدارسين.
3.
تعميم
الاحتفالات بالصلوات والطقوس الجمهورية في كنائسنا حسب عادة ابائنا الابرار
واوامر بطاركتنا الاجلاء وقوانيننا البعية. وفي ذلك تمجد الله وبنيان القريب
مافية. وكم يسهل هذا الامر على الكهنة متى كان بين افراد الشعب وفي المدارس
الكائنة غالباً في جوانب كنائسنا أناس عارفون بالطقوس والصلوات.
4.
ابقاء
منبر الصلوة المعروف (بالقرائة) في الكنائس على حاله وفي مكانه اي خارج
الدرابزين(10) تسهيلأ لاشتراك الاكليركيين والشعب بالصلوة معاً حسب العادة الجارية.
اذ لا يحسن احتشاد المصلين اكليريكيين وعوام داخل الدرابزين ولا يتسير لكل
الكنائس ولاسيما في القرى اقتناء كتب للصلوه على عدد المصلين. ولا ريب ان
اصطلاح اجدادنا على جعل "القرائة" على هذه الهيئة كان من اهم الاسباب التي
صانت الطقس عندنا وجعلت الشعب يشترك فيه الى ايامنا. كل يرى ان وقوف المصلين
حولها برزانة ووقار جميل خاشع ولا شيء فيه يخل بالترتيب. ومجمعنا اللبناني لم
يذمه وانما اقتصر على اظهاررغبته في ان يمسك كل واحد من المصلين كتاباً في
الكنائس والاديار الكبيره فقط حيث يخشى ازدحام الجمهور حول القرائة من غير
ترتيب.
5.
عدم
التسامح بترجمة بعض القطع المسطورة بالسريانية فقط في كتاب القداس وباقي الكتب
الطقسية الى العربية كما يفعل البعض "من باب التباهي اللغو" او بحجة اقهام
السامعين وحملهم على الخشوع. فان في جمال الالحان السريانية الرائعة وترجمة بعض
القطع المسطورة مقابل اصلها السرياني المسموح بترجمتها، وفي قرائة فصول الكتب
المقدسة بالعربية ما يكفي لحمل الشعب على العبادة والخشوع ويزيد. واباؤنا ما
سمحوا بترجمة تلك القطع من الطقوس الا تداركا لمثل هذه االحجّة ومنعاً لمن ياتي
بعدهم من التعرض لها والتبديل فيها. ان هذه الصلوات جميلة في اصلها وتدل على
قدم طقس كنيستنا الانطاكي وفخامته ولها فيه رونق واعتبار لا يكونان في الترجمة
فلا تسوغ ترجمتها. وفضلا عن ذلك فهي فروض توجب القوانين الكنائسية حفظها
ومراعاتها واتمامها كما هي بدون تغيير ولا تجيز لاحد ان يتصرف بها على ايثاره(11)
،
وهذه الكنيسة الرومانية ام جميع الكنائس ومعلمتهن لا تسمح لخدامها بترجمة شيء
على الاطلاق من اللغة اللاتينية الى اللغات الدارجة.
6.
نزع
الكتب الطقسية التي نشرت مؤخراً بالحرف العربي من ايدي الناشئة واستبدالها
بالمطبوعة بالحرف السرياني. فان استعمالها يساعد على اهمال اللغة وهو منهي عنه
في مراسيم البطاركة الكلي احترامهم.
7.
اهتمام
رؤساء المدارس الجدي بتعليم هذه اللغة للصغار في جميع مدارسنا في القرى والمدن
وتحبيبها اليهم وتعويدهم على الاشتراك باقامة الصلوات ةالاحتفالات البيعية كما
يفعل كثيرون من ارباب المدارس الذين يستحقون كل ثناء. وذلك من أيسر الامور. وقد
عرفنا بالاختبار ان تعلمها سهل جداً على الاولاد اكثر من غيرها وانه لايلزمهم
لاجادة قرائتها الا وقت وجيز. ولعل ذلك لقربها من العربية التي يتكلمون بها
او لكونها لغتهم الجنسية. وقد دلنا
الاختبار ايضاً ان لا شيء اشهى على قلوب الوالدين من رؤيتهم اولادهم يشتركون
امامهم في الصلوات والحفلات الكنائسية ويسبحون الله امام المذبح وحول "منبر
الصلوة " القرءائة كالملائكة الاطهار. واذا خشي بعض الوالدين ( وهم قليلون) ان
تعلمها يعيق اولادهم عن تعلم سواها فلا يصعب على المعلم الغيور اقناعهم بانها
لا تضيع شيئاً من اوقاتهم لسهولتها حتى يكونوا شاهدوا اولادهم في تلك
الاحتفالات الجميلة فيبتهجون بهم جداً. وقد رأينا الكثرين من الوالدين عند
رؤيتهم بعض الاحداث يشتركون في ذلك
الاحتفالات او يقرأون
فصلا من الكتب المقدسة امام الشعب كانوا يطلبون بالحاح ا& |