تبرع

| الرئيسة سياسة |  روابط | نشيد قومي | أرشيف | إتصل بنا | 

اقرأ المزيد...

وليد فارس : بروفِسور في العلوم السياسية

http://www.walidphares.com

ملف خاص/ ”اللوبي” اللبناني في أميركا

الخميس3 شباط  2005

النهار

وليد فارس: في 13  ت1  1990 اندحرنا وهبطنا الى وضع المغلوب والاستقلال المفقود

مجموعة صغيرة من الناشطين استطاعت تدويل القضية وبخطّي كتبت مذكرة القرار 1559

مع صدور قرار مجلس الأمن رقم 1559 بدأ الاهتمام بكل العوامل التي أدت إلى هذا التطور الدولي، والاهتمام بكل الأسماء التي واكبت هذا القرار، أكانت أميركية أم لبنانية أم سورية أم غيرها. من بين الأسماء التي ظهرت قبل صدور القرار وخلاله وبعده، إلى جانب عدد لا بأس به من الديبلوماسيين الأميركيين و الناشطين اللبنانيين- الأميركيين والسياسيين اللبنانيين والعرب في الخارج، اسم الدكتور وليد فارس.

وقد برز اسمه خلال زيارات الوفد اللبناني الاغترابي لمراكز القرار في واشنطن ولمجلس الامن خلال شهر آذار الماضي. وكذلك عاد وبرز خلال الرسائل التي قدمت الى مكتب الأمين العام للأمم المتحدة والتي سبقت صدور القرار والتقرير الشهري للأمين العام، ومن ثم الرسالة الرئاسية لمجلس الأمن التي وقعها الأعضاء الخمسة عشر. وقد حصلت "النهار" على عدد من تلك الرسائل والمذكرات والدراسات، وقد كان للدكتور فارس دور  كبير في الصياغة والهندسة القانونية والسياسية.  والدكتور فارس، أستاذ للعلوم السياسية في جامعة فلوريدا وباحث رئيسي Senior Fellow في مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات Foundation for the defuse DEFENSE of Democracies في واشنطن، ويحتل موقعاً فكريا واعلاميا وسياسيا ، مرموقا ضمن المؤسسات اللبنانية – الأميركية - داخل المحافل الاميركية كذلك.

phares.com www.walid

وتشمل نشاطات البروفسور فارس في واشنطن المحاضرات في الجمعيات  والكونغرس وتحركات في سبيل حقوق الإنسان والأقليات، ولا سيما في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى أبحاث اكاديمية وفكرية  لدى  مراكز الأبحاث الأميركية المتعددة.

وقد شغل منصب أستاذ متفرغ لدى جامعة فلوريدا لاكثر من عشر سنين. وقد وصفت الصحافة في الولاية صفوفه ولا سيما تلك المخصصة للذين انهوا دراستهم، بأنها الأكبر في أميركا.

ويعرف في الاوساط الصحافية والإعلامية بانه أحد المفكرين الأميركيين من اصل شرق أوسطي الذين تم وصفهم بالمحافظين الجددNeo Conservatives  . ومع أن فارس لم يعرف نفسه بهذه الطريقة خلال السنوات الأربع عشرة التي عاشها في الولايات المتحدة،  إلا أن محاضراته القديمة وطرحه لمسألة الحريات والديموقراطية  كحل لأزمة الإرهاب الدولي، منذ أوائل التسعينات، كان لها تأثير في الخطاب السياسي الذي تطور في بداية عهد الرئيس جورج بوش عام 2000. ولعل خطاب فارس الفكري وتحاليله لمسألة تعايش الحضارات قد لعب دورا في صوغ جديد لمفردات وتحديدات برزت في نهاية التسعينات ولا سيما بعد 11 أيلول، وهي لم تكن موجودة في الإطار الفكري العام من قبل. وقد برز ذلك بوضوح ، ولا سيما بعد الدور الذي اضطلع به فارس في إعلان  المؤتمر المشرقي - الأميركي الأول وتنسيقه، الذي انعقد في خضمّ المعركة الرئاسية الاميركية الانتخابية في أول تشرين الاول الماضي في واشنطن. وشارك في المؤتمر اكثر من 750 مندوبا. وقد بدأ المواطن العربي يستوعب بعضا من هذا الطرح الجديد بعد ظهور الدكتور فارس اخيرا عبر شاشات التلفزة العربية "كالجزيرة"و"الحرة"و"أبو ظبي".

كل ذلك بحسب مقابلتنا معه.

جلسنا مع البروفسور فارس لساعات في العاصمة الأميركية وطرحنا كل الأسئلة الممكنة. وأكثر ما ميّز هذه الجلسة أننا كنا نعرف محدثنا منذ اكثر من عقدين في لبنان. وذكرنا الدكتور فارس، بأنه مع حلول نهاية هذه السنة ، نكون قد ختمنا ربع قرن منذ أن تعرفنا الى بعضنا في خلال خلوات فكرية في سيدة البير وقد كانت لنا مقالات في مجلة كان يصدرها فارس في بيروت تحت اسم "صوت المشرق".

فلوليد فارس، الأميركي - اللبناني اليوم تاريخ حافل بالنشاطات في لبنان ما قبل 1990. فقد كانت له مئات المقالات بالعربية والفرنسية، ونشر خمسة كتب بين 1979 و 1987 وقد مارس المحاماة ودرّس مادة العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف. وإذا كان  جيل الشاب الحالي لم يتعرف الى فارس إلا عبر الإنترنت والتلفزيون الأميركي، فهناك جيل آخر، قد واكب الدور السياسي والفكري لوليد فارس في الانتخابات قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة. لذلك كان لا بد لنا من أن نعود معه إلى السبعينات لنواكب هذه التطورات التي شملت ربع قرن من العمل المستمر".

الحوار

ں دكتور فارس، هل تتابع الصحافة اللبنانية على الرغم من انشغالك بأكبر الأجهزة الإعلامية في العالم من واشنطن؟

-  أنا على اطلاع دائم ودقيق على مجريات الأمور في لبنان عبر الاعلام، وقد خصصت مساحة من الوقت لقراءة التقارير الشاملة   عبر بعض الوسائل. إلا انه  لا بد أن من أقول لقراء "النهار" أنني أحد المغتربين القلائل الذين يقرأون الصحيفة ليس على الإنترنت، ولكن في أوراقها التي تأتي اليّ من مطابع لبنان منذ عام  1990. وعندما افتح صفحاتها، أشم رائحة لبنان وهواءه وغباره كأن جزءا مني لم يغادره.

ں لقد خرجت من الساحة السياسية اللبنانية عام 1990 ولم تعد إلى الوطن. هل احدث ذلك انقطاعاً في فكرك السياسي ونشاطك من اجل لبنان؟ وما هو الترابط الذي أدى الى اضطلاعك بدور معين في مواكبة القرار 1559 ؟

- أولا لا يمكن شخصا أن يقول أن  قراراً كهذا هو نتيجة عمل فرد، ولا حتى عمل مجموعة واحدة. القرار الدولي هو نتيجة تطورات كثيرة وكبيرة ومعقدة، البعض منها أتى بعد 11 أيلول والبعض الأخر تراكم في التسعينات.  ويمكن القول أن بعض جذور القرار 1559 تمتد إلى عقدين من الزمن. هذا القرار هو نتيجة تطورات دولية تقاطعت مع تطورات في القضية اللبنانية. وقد يلزمنا كتاب كامل  لشرحها.

ں  هل يمكنك تلخيص نشاطاتك الفكرية والسياسية  قبل أن تهاجر إلى الولايات المتحدة واشرح لنا، ما هي المفاصل التي كونت تلك الجذور ما قبل 1990؟

- بتلخيص تام  كان لدي نوعان من النشاطات في لبنان قبل 1990. النشاط الأول، فكري محض، والنشاط الثاني سياسي كان يتأثر بالتطور الميداني وسيأتي الوقت لكي استفيض في تاريخ التيار الفكري والسياسي الذي انتميت إليه. وهو تيار له رؤية تأسيسية في هذا الإطار. وقد نشرت كتاب "التعددية في لبنان"  عبر مركز الأبحاث في الكسليك عام 1979. وكان أول  مؤلف ينشر في لبنان والشرق الأوسط عن هذا الموضوع .وفي القسم الثاني منه،طرحت نظرية "العلاقة  بين الحضارات " كمحاولة لشرح الصراعات التي كانت قائمة في لبنان والمنطقة.

وقد أعلن مدير  محفوظات العالم العربي في مكتبة الكونغرس الأميركي عام 1996؛ أنني سبقت المفكر؛ Samuel Huntington بطرح هذا المفهوم؛ ولو أن الباحث الأميركي قد أحدث ضجة هائلة في الولايات المتحدة. في 1993و1996 عندما نشر عنه حول "صدام الحضارات" Clash  of Civlizations مشكلتي وقتها انني كتبت بالعربية ونشرت في لبنان؛ أيام الحرب. وقد أحدث كتابي موجات من الصدام الفكري في بيروت لبضع سنوات. واعتمدت بعض الهيئات السياسية الخط الفكري للكتاب في برامجها العقائدية  لسنوات طويلة ولا تزال. وقد ألحقته بكتب أخرى؛ مثل "الحوار الديموقراطي" و" الفكر المسيحي الديموقراطي اللبناني" و"13  قرنا من النضال"؛ كما نشرت كتابا حول الثورة الإيرانية عام 1986.

وكان لإنتاجي الفكري خطان تحليليان. الأول يتعلق بمدرسة فكرية تقوم على تفسير العلاقات الدولية على أساس الحضارات القومية وحق تقرير المصير وحقوق الإنسان.

وهذا الخط كان لا بد من أن يتطور في كتب وأبحاث أوسع؛ إلا أن وجودي في بيئة صراع وحرب وضرورة مواجهة الأزمة القائمة؛ منعني من تطوير هذا الإنتاج قبل أن أنتقل إلى الولايات المتحدة في 1990.

أما الخط الثاني الذي فاق إنتاجه العملي الخط الفكري الأول؛ فقد تركز على طرح يسعى إلى إيجاد حل تعددي ديموقراطي للأزمة اللبنانية. والجدير بالذكر أن ما يطرح اليوم للعراق والسودان وقبرص، وحتى لبنان؛ من مسائل اللامركزية والفيديرالية، كانت في صلب الكتب ومئات المقالات التي وضعتها في الثمانينات.

وعلى الرغم من هذا الإنتاج ومن أكثر من ألف محاضرة ألقيتها في بيروت ولبنان والشمال على مدى عشر سنين؛ فلا التعددية قبلت كمفهوم للتعايش بين اللبنانيين؛ ولا الديموقراطية رأت النور في البيئة التي كنت أعمل وأعيش فيها. والقصة طويلة. وقد حاولت مع عدد من المفكرين؛ بينهم صاحب هذه الفلسفة؛ من نشر هذه الأفكار عبر مجلات ومنشورات "صوت المشرق"و "المشرق الدولي". إلا أن تطور الأحداث قد أنهى هذه المساعي الفكرية داخل لبنان وقذفها إلى العالم الخارجي عندما انتقلت إلى الولايات المتحدة.

من الاشرفية الى اميركا

ں ولكن كانت لك نشاطات سياسية لأكثر من عشر سنين قبل 1990؟ هل يمكنك تلخيصها؟

-    قصتها أطول؛ ومذكراتها آتية. كالعديد من اللبنانيين قبل الحرب؛ كانت هموم  الهوية والمصير تلعب دورا كبيرا في حياتنا الاجتماعية. وكانت لي نشاطات سياسية منذ صغري في  أزقة الأشرفية حيث كنت أسكن. وكنت من أول الذين وضعوا شعارات سياسية على جدران في ما   كان يسمى وقتها " بيروت الشرقية".

أن العديد من الشعارات التي تقرأها اليوم؛ كتبناها قبل أكثر من ربع قرن!

لقد أطلق تيارنا الصغير شقيقي الأكبر؛ إلا انه بتحليلي جاء هذا التيار عشرات السنين قبل وقته. إذ كنا نرى هوية  لبنان  القومية وهويته وتعدديته تحت تهديد حضاري  متصاعد؛ وكنا نربط هذا الوضع بالصراعات العالمية وقتها.هذا التيار الفكري السياسي تجسد في منظمات عدة أطلقناها وبقيت صغيرة ومحدودة. إلا أن فكر هذا التيار بات يؤثر في مؤسسات كبرى ولدى قياديين كان لهم تأثيرهم في التطورات.وكان جهدي يراوح بين المنظمات الصغيرة التي أطلقناها، والمؤسسات الوطنية الكبرى كـ"الجبهة اللبنانية" و"القوات اللبنانية"؛ و"الاتحاد الماروني العالمي"؛ وغيرها.

وكانت لي علاقات بعدد من المفكرين الكبار  كالعلامة فؤاد افرام البستاني؛ ولجنة البحوث في الكسليك وغيرها. وعملت مع قياديين كبشير الجميل ومستشاريه فادي افرام وفؤاد ابو ناضر وسمير جعجع وداني شمعون. كما كنت قريبا من العماد عون وحكومته الانتقالية.

كانت لمجموعتنا الصغيرة خصوصيتها الفكرية الذاتية. وكان لنا دور في مؤسسات عدة على الصعيد النضالي العام. تاريخ طويل جدا رأيت فيه القيادات تقوم وتتهاوى  الواحدة تلوى الأخرى. ورأيت بعض  أفكارنا يعلن ومن ثم يعدّل. تاريخ معقد وصعب؛ قائم على التزام دام خمس عشرة  سنة دون هوادة؛ ولكن بصلابة عقائدية أدت بنا إلى أزمات كثيرة ومتلاحقة. العمل السياسي المبني على رؤية فكرية  أبان حرب تتطور وصراعات داخلية لا تنتهي هو عمل أصفه اليوم بالخطر  والجنوني. إلا أننا اعتقدنا أن مجتمعنا كانت له حظوظ في النجاح واسترجاع السيادة والحرية ولا سيما في نهاية التسعينات.

ں  كيف تم ذلك؟ وما كان رهانكم وقتها؟

-  بعد 15 سنة من الحرب المتواصلة والأزمات اللامتناهية كان اعتقادنا وتحليلي وقتها انه مع سقوط الاتحاد السوفياتي الذي كان وحيداً  منذ عام 1985؛ سوف يقوم المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة بمساعدة الشعوب الصغيرة والضعيفة  في نيل حقوقها. ففي نهاية 1989 وبداية 1990 كانت الأوضاع الدولية تتجه إلى سقوط الأنظمة الشيوعية في أوروبا وموسكو. ولو تمكن اللبنانيون الذين كانوا ينعمون بمناطق حرة مع دعم من إخوانهم القابعين تحت الاحتلال العسكري السوري، من عبور المرحلة حتى انتهاء حرب الخليج وبدء مؤتمر مدريد؛ لكان حظ لبنان كبيراً  بقرار دولي شبيه بالقرار 1559 يأتي في أوائل التسعينات. فمنطق القرار كان لا بد ان يتجسد لو لم يسقط لبنان بكامله؛ قبل الوقت؛ تحت النفوذ السوري الشامل. بكلام أوضح وقاس وهو أمر لا يمكن تغييره الآن لأنه بات من التاريخ لو لم تسقط الشرقية لكان هنالك تدخل دولي لمصلحة  لبنان؛ ولكان ذلك انتج اتفاقا وطنيا اكثر عدلا من اتفاق الطائف.

ں  هذا يعني انك عارضت اتفاق الطائف ؟

-  وقتها نعم. وقد أعلنت ذلك وربما دفعت ثمنا باهظا لهذا الموقف. وأنا بالطبع كنت مع اتفاق وطني لإنهاء الحرب، ولكنني لم أوافق على أمرين في اتفاق الطائف هما: حسم الهوية القومية عسكريا، أي على حساب التعددية الحضارية  من جهة، واعطاء سوريا حقوقا سيادية في لبنان من جهة اخرى. من هنا عارضت الفقرتين وطرحت فكرة الفيديرالية كحل لمسألة الهوية والتوازن الداخلي، كما طالبت بانسحاب القوات السورية ونشر قوات دولية مكانها

قضية الطائف

ں  ولكن اتفاق الطائف اصبح دستور لبنان الجديد والوجود السوري بات مشرّعا بعد 1990.  

-  من وجهة نظري أن اتفاق 1989 جاء بصيغته الحاسمة ، بسبب انقسام المنطقة الشرقية على نفسها  والكلام طويل. وهذا الاتفاق قد تم فرضه بواسطة اجتياح عسكري في 13 تشرين الأول 1990. والحسم العسكري أدى إلى قيام سلطة طبقت الاتفاق (الذي كنت انتقده أصلا) بشكل لا متوازن. من هنا بدأ الاندحار التاريخي للبلاد من واقع التعددية إلى واقع الغالب والمغلوب. ومن واقع الاستقلال المحدود جغرافيا، إلى واقع الاستقلال المفقود تاريخيا. فلقد أدركت في الساعة التاسعة صباح السبت في 13 تشرين الاول  1990 أن المسألة قد انتهت. ومع أن البعض قال لي وقتها أن الاتفاق سوف يصحح الانهيار، فقد كان لي اقتناع بان الانهيار الميداني قد عدّل الاتفاق الموقع في الطائف.أما الباقي ، فهو عقد كامل، كما عاشه المجتمع اللبناني خلال التسعينات.

ں  لم يكن لديك أي أمل بأن تعود السيادة وفق اتفاق الطائف، وان يتدخل العالم لتصحيح الأمور؟

- إطلاقا. فالمعادلة الدولية التي سمحت بإنهاء التوازن الاستراتيجي داخل لبنان، لم تكن لتسمح بإعادة التوازن إلى ما كان قبل 1990. والمدرسة الديبلوماسية التي وافقت على دور استراتيجي لسوريا في لبنان كنتيجة لسقوط الاتحاد السوفياتي. لم تكن لتقبل بأي تغيير على المعادلة الجديدة . من هنا، فتحليلي الطبيعي وقتها خلص إلى أن لبنان سوف يسقط تدريجا اكثر فأكثر بين ايدي النفوذ السوري. وما سمي وقتها "المحدلة السورية" كانت واقعا قائما على معادلة دولية محكّمة أنتجتها ظروف كبيرة خارجية وانهيار داخلي واسع لدى ما كان يسمى " المقاومة اللبنانية"

من هنا، وإذ رأيت مستقبل لبنان في الأفق،وأدركت أن أي قوة داخلية لن تتمكن من مقاومة " المحدلة السورية" المحمية دوليا، فهمت أيضا أن العمل على إنقاذ القضية اللبنانية بات حتما في موقع خارجي واضح في عهدة التطورات الدولية.

ں  هل هذا كان السبب الأساسي لمغادرتك لبنان؟

-  نعم. ولكن هنالك أسباب أخرى معقدة، سأسرد البعض منها. أولا، أدركت أن الحرية باتت منتهية في لبنان. ولا أتكلم عن حرية عملانية رمزية كالتظاهرات، أو توزيع المناشير أو الكلام، وهي فعلا انحسرت. فلقد أدركت في بداية التسعينات ما توصل إليه البعض في نهاية القرن، إلا وهو أن المعادلة الدولية، هي معادلة أميركية. والمعادلة الأميركية محكومة بمعادلات استراتيجية عربية ونفطية وفكرية وداخلية. وتغيير هذه المعادلات أو التأثير عليها هو من مسؤولية أجيال بكاملها وليس من بعض الناشطين في الخارج. على هذا الأساس اتخذت قراري بأن اترك لبنان والعمل السياسي فيه. بكلام آخر، انتهت مرحلة من حياتي لتبدأ مرحلة أخرى. قلتها وقتها ": لقد عملت ما في وسعي، وأعطيت أكثر من قدرتي، وهذا هو قدري..."

كان هنالك سبب آخر دفعني الى أن أفكر في السفر إلى الولايات المتحدة، ألا وهو فكري الأكاديمي. فمعظم طاقتي خلال 15 سنة وضعتها في خدمة القضية القومية اللبنانية. وقد كان لدي قرار في أن أوسّع نطاق أبحاثي في مجال العلاقات الدولية. وكما رأيت مستقبل لبنان في الأفق، كنت أرى أفق الأزمات العالمية ترتسم شيئا فشيئا. لذا أردت أن أعمّق تخصصي الأكاديمي في الولايات المتحدة. وما كنت أبغيه عندما زرت الولايات المتحدة مطولا، كان استكمالا لشهادة الدكتوراه. إلا أن التطورات غيّرت مجرى حياتي على الصعيد العام في بلدي الجديد : أميركا.

ايلول غيّر المعادلة

ں  على ماذا ارتكزت في حياتك الجديدة في الولايات المتحدة؟ وكيف دعمت عملك وتوصلت إلى وضعك الحالي؟

-  لا شيء إطلاقا. لقد بدأت من الصفر .  ربما أيضا كنت الصفر ماديا. فقد تخليت عن ممارسة المحاماة وعدت تلميذا في دراسات الدكتوراه عام 1991. وبدأت مسيرة الألف ميل. أكملت شهادة الدكتوراه بسرعة فائقة وأصبحت أستاذا زائرا لدى عدد من الجامعات. وكنت أراقب تطور الأوضاع في لبنان، ولا سيما بعد توقيع اتفاق التعاون والتنسيق مع سوريا. كانت لدي نشاطات في سبيل "بقايا" القضية اللبنانية أي إبقاء وجودها رمزيا. بينما كانت الأوضاع تنهار اكثر فأكثر داخل البلاد. وقد شكلت مجموعة من الناشطين اللبنانيين تحت اسم " المنظمة العالمية اللبنانية"WLO، وكانت هذه تنشر  بيانات وتنظم ندوات وتشارك في مؤتمرات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة. هذه المجموعة التي ولدت في 11 أيلول 1991، أي عشر سنين قبل الأحداث الكبرى، كانت تهدف إلى طرح القضية اللبنانية من منطلق دولي على مراكز الأبحاث الأميركية. وقد عملت بهدوء طيلة تسع سنوات في هذا الاتجاه. لم تكن WLO  المجموعة الناشطة الوحيدة في الولايات المتحدة، وكانت الأصغر حجما، إلا أنها كانت تسعى بثبات الى "تدويل" الأزمة اللبنانية لدى الأوساط الفكرية الاستراتيجية في الولايات المتحدة والغرب عموماً. وقد استمرت هذه المجموعة في العمل إلى حين بدأت المؤسسات الاغترابية الكبرى التحرك في اتجاه التدويل، بينما كانت الأوضاع الدولية تتبدل.

ں  ولكن ما كانت نشاطاتك خلال التسعينات إلى جانب الجهد في سبيل التدويل؟

-  اجتياز الصحراء. ولكنها مسيرة فكرية وأكاديمية مليئة بالنشاطات والتطورات. فإلى جانب الوقت الذي صرفته من اجل "القضية اللبنانية"، توسعت نشاطاتي المهنية والأكاديمية أفقيًا وعمودياً. فإذ بي أستاذا متفرغا في دراسات الشرق الأوسط والصراعات الدينية والأتنية. وبت أحاضر في جامعات عبر الولايات المتحدة وأوروبا. وتخصصت في مسألة حقوق الإنسان والأقليات، ونشرت كتبا ومقالات في مجلات أبحاث أكاديمية. 1991و 1995 كانت المرحلة الأولى، وقد نشرت مقالات وحاضرت لدى العديد من مراكز الأبحاث. وقد أوصلت بعض الأفكار إلى عدد من أعضاء الكونغرس الذي انتخب عام 1996. كانت المساهمة في تأليف "التحالف من أجل حقوق الإنسان" الذي ضم اكثر من 50 جمعية ومؤسسة. وفي السنة التالية، ادليت بأول شهادة لدى مجلس الشيوخ. وقد تخرج في صفوفي الآلاف من مستكملي الدراسات ما بعد المهنية. وإذ بالبناء الأكاديمي يتوسع واتصالي  بـThink Tanks يتعمّق. وقد تكلل ذلك عام 2000 بمؤتمر في الكونغرس حول الحريات في الشرق  الأوسط. وكان اختصاصي يتركز على "الإرهاب الأصولي، كجزء من مشكلة الديموقراطية".

ں  ولكن كيف تحولت إلى أحد ابرز خبراء الولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب، وبات لك وجود في الأعلام؟

- أولا البحث الأكاديمي المتواصل. وثانيا المحاضرات التي ألقيتها في الجامعات ومراكز الأبحاث. وثالثا نشاطي في مجال الديموقراطية والنمو السياسي في الشرق الأوسط. والأهم هو دراستي لتصاعد الحركة الجهادية العالمية في خطابها السياسي وتحركاتها الإقليمية واستهدافها للولايات المتحدة. فالهمّ الأكبر بات حول حماية أمن الشعب الأميركي من الاخطار المتصاعدة. وكانت الدراسات الشرق أوسطية قد أخفقت في فهم التطور الاستراتيجي الحاصل في الشرق، من نمو للقوى الجهادية المقاتلة وتصاعد المشاريع العسكرية للأنظمة الديكتاتورية. وحين كانت أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية وجنوب إفريقيا تنفتح على الحرية والديموقراطية والتغيير، كانت منطقة الشرق الأوسط تتجه إلى تصاعد الإرهاب وتصلّب الأنظمة الإرهابية. وكان احتلال لبنان، ومجازر السودان، والقمع في أفغانستان والعراق والجزائر،  وتراجع حقوق الأقليات والنساء، وضرب التيار الإصلاحي  في إيران، كان كل ذلك يشير إلى ضربة ستوجه إلى الولايات المتحدة. كان ذلك ليؤدي إلى 11 أيلول 2001.

وكأميركي شعرت بمسؤولياتي كمواطن وكأكاديمي حيال بلدي الجديد. فعملت على إنتاج تحليل وبحث يحذران  من صعود الإرهاب الدولي واستهدافه الولايات المتحدة. وقد حذّرت من أن العمليات الإرهابية التي ضربت برجي التجارة  في 1993 والخبر في السعودية في 1994 ، وصعود الطالبان في 1996 ، وضرب السفارات في أفريقيا في 1998 واعلان بن لادن الحرب الجهادية على أميركا وضرب الطرّاد USS Cole في عدن عام 1999. أن كل ذلك كان مقدمة لعمليات في الولايات المتحدة. وكنت الأكاديمي الشرق الأوسطي الوحيد المتكلم للغة العربية الذي حذّر الرأي العام والحكومة، بالإضافة إلى بعض زملائي الأميركيين، من أن سياسة واشنطن الخارجية كانت تشجع القوى الجهادية والأنظمة العسكرية في الشرق الأوسط في اتجاه شن حرب على العمق الأميركي نفسه. وكنا حفنة من المفكرين نواجه لا مبالاة شاملة في أوساط وزارة الخارجية والعالم الأكاديمي الأميركي. إذ أن أكثرية الأكاديميين الأميركيين كانوا يتأثرون باللوبي العربي  ومجموعة  "الضغط الوهّابية" في واشنطن. وباتت سياسة أميركا الخارجية في نهاية التسعينات متداعية أمام المد الجهادى وضغط الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي. كان لا بد من حملة توعية داخل   الولايات المتحدة ولدى النخب الصحافية والكوادر المهنية والفكرية. وفي إمكاني القول ان حفنة من الكتّاب والصحافيين والمثقفين، وكنت واحدا منهم، قد نشروا وعيا لدى جزء من الرأي العام ترجم بنشوء كتلة داخل الكونغرس الأميركي منذ منتصف التسعينات. وهذه الكتلة باتت تكبر ككرة الثلج وشكلت أكثرية معنوية وسياسية داخل الجسم الاشتراعي الأميركي.  

 وبعد انتخاب الرئيس جورج بوش عام 2000 ، بات هنالك تيار فكري يمتد من الكونغرس الى عدد من مؤسسات الإدارة. البعض يطلق عليه اسم"المحافظين الجدد". وهذا صحيح، إذ أن عددا  كبيرا من أصحاب هذا الفكر هم من الناشطين الذين شكلوا النخبة الفكرية التي واجهت الاتحاد السوفياتي،  ووقفوا مع شعوب أوروبا الشرقية في انتفاضتها ضد طغيان السوفيات. وهؤلاء شكلوا تياراً  يدعى "المحافظين الجدد" وهو يتقاطع في رؤيته مع التيار المسيحي المحافظ في الولايات المتحدة. إلا أن التيار الأوسع الذي يشمل هؤلاء وغيرهم يضم عناصر من الحزب الديموقراطي ومن الليبراليين المؤيدين لحقوق الإنسان. فالتيار الذي يدعم سياسة أميركا الجديدة بعد 11 أيلول ليس عند اليمين فقط. بل وهو أيضا في الوسط ولدى بعض أنحاء اليسار.

ںولكن لماذا كان لك هذا الدور في الإعلام ولدى الحكومة بعد 11 أيلول؟

-  لأسباب متعددة. الأول هو بالطبع سعي الأميركيين ككل الى فهم ماذا جرى في ذلك اليوم الرهيب. فالنخبة الأكاديمية الأميركية حاولت أن تتهرب من ترجمة  الخطاب السياسي لـ"القاعدة" وتوضيحه، ولقناة  "الجزيرة "  وللعديد من المثقفين في العالم العربي والإسلامي. من هنا بدأت وسائل الإعلام تتجه إلى الأكاديميين الذين تطوعوا لهذه المهمة وكنت واحدا منهم. وبمقدار ما كنت أقوم بواجبي الفكري، بمقدار ما كان الجهاديون وحلفاؤهم ينتجون فكرا ومواقف كان من الضروري تفسيرها. وكان اختصاصي في هذا المجال عاملا مهما. فقد طلبت مني الحكومة الأميركية إلقاء محاضرات لدى إدارييها ومسؤولين فيها حول الشرق الأوسط. وبعد تنظيم  وزارة الأمن الوطني، عينتني وزارة العدل خبيراً لديها لشؤون الارهاب.

المهم في تلك المرحلة هو التمكن من شرح تعقيدات في الفكر السياسي والاستراتيجي للقوى الإرهابية لدى الرأي العام الأميركي. فكنت كأنني انتقلت من كوني أستاذا جامعيا إلى كوني أستاذا حول مادة الشرق الأوسط عبر الإعلام. وقد عملت مع مؤسسات غير حكومية عديدة. وخصصت معظم وقتي تقريبا في سبيل تكثيف حملة الوعي القومي في الولايات المتحدة لما كان يجري في الشرق الأوسط. وكان لمقالاتي قرّاء كثر، ولا سيما داخل الكونغرس والإدارة. وأدى ذلك إلى خبرة على الصعيد الأميركي نفسه  وقد طلب مني إحد مراكز الأبحاث الأكثر تأثيرا، وهو Foundation for the Defense of Democracies. أي  "FDD " أن أكون كبير الباحثين فيها.

ںوما هي طبيعة عملك في  FDD ؟

-   ككبير الباحثين، أقوم بتقويم استراتيجي للسياسة الأميركية حيال الإرهاب أو في ما يتعلق بنشر الديموقراطية وحقوق الإنسان. وأقوم بوضع استشارات لمشاريع مهمة كمشروع تنمية الديموقراطية في العراق، أو مشاريع الإصلاح في العالم العربي، أو مسألة حقوق الإنسان في السودان، أو قضايا المرأة في الشرق الأوسط. بالإضافة، طبعا، الى ملف ال