|
الشيخ محمد
وظاهرة اللسان الداشر؟! (5)
17
سبتمبر 2005
نشرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز في عددها الصادر بتاريخ الثاني من آب 2004، وعلى
صفحتها الأولى تقريرا مفصلا عن صلاة الجمعة الفائت في مسجد لاس فيغاس ـ أكبر
مدينة للهو والقمار في العالم ـ شمل التقرير مقابلة مع إمام المسجد الشيخ
زعفر انجوم، قال فيها: في كلّ يوم جمعة، ينزل رهط من الملائكة يقفون على باب
المسجد، وسجلاتهم في أياديهم. يسجّلون لأول شخص يؤمّه حسنة رجل ينحر جملا
ويوزع لحمه على الفقراء. ويسجلون للشخص الثاني الذي يؤمّه حسنة رجل ينحر بقرة
ويوزع لحمها للفقراء. وللثالث حسنة رجل ينحر ماعزا ويوزّع لحمها للفقراء.
وللرابع حسنة رجل ينحر دجاجة ويوزّع لحمها للفقراء. ولكلّ واحد يأتي بعد ذلك
حسنة رجل يوزّع بيضة على الفقراء. وعندما يبدأ الإمام بخطبة يوم الجمعة، تغلق
الملائكة سجلاتها وتعود إلى السماء رافضة أن تسجل أيّة حسنة لمن يأتي بعد تلك
اللحظة!
فتصّور ـ يارعاك الله ـ تلك الحضارة والقيم التي يواجه بها هذا المعتوه
الصحافة الأمريكيّة، وأيّة صحيفة؟! أكبر وأشهر صحيفة في العالم!! تصوّروا تلك
الحضارة والقيم التي يخاف الشيخ محمّد من أن تتآمر عليها وفاء سلطان مع أعداء
العرب والإسلام!!
من
منّا يستطيع فينا أن يصل إلى رأس هذا المعتوه، كي يغسله من جنونه، ويقنعه
بأنّ الله لايمنح حسنة إلاّ لرجل نحر فعلا جملا أو بقرة أو ماعزا أو دجاجة
ووزع لحومها على الفقراء؟!!
من منّا يمكنه إقناع هذا المعتوه بأنّ قيامه وقعوده في الليل والنهار لن
يغني طفلا مسلما من فقر، ولن يشبعه من جوع!!
من يستطيع اقناع هذا المعتوه وكلّ المعتوهين، بأنّ أغنياءهم يسهرون على
طاولات القمار وفي خمّارات لاس فيغاس، بينما أطفالهم يموتون جوعا في كلّ
أنحاء العالم!! أليس هو الذي أقنع هؤلاء الأغنياء الضالّين، بأنّهم بألف خير
طالما يصلّون حتّى ولو كانوا يفحشون؟!!
صدّام حسين، تقول الأنباء الواردة مؤخّرا، أنّه يقضي جلّ وقته في سجنه في
قراءة القرآن! لاأشكّ لحظة بأن هذا الإمام المعتوه وأمثاله قد أقنعوا صدّام
إنّ كلّ يوم يقضيه في قراءة القرآن سيسقط من ذمّته مقبرة جماعيّة لضحاياه من
الأبرياء، كما أقنعوا الأغنياء بأنّهم طالما يصلّون هم ينفقون لحما في سبيل
الله، سواء أنفقوا حقيقة أم لم ينفقوا!!
الشيخ محمّد يؤم صلاة الجمعة كلّ اسبوع، وقد يكون أوّل من يصل اليها، تلك
حقيقة لايشكّ بها اثنان، ولذلك هو على يقين حتّى ولو روّج الإشاعات التي تهتك
أعراض الناس، سيكون يوما ـ وكلّ المصليّن ـ في الخلد ينعمون!!
ببساطة وألم أقول: إن لم نستطع أن نصل إلى رؤوس هؤلاء المجانين، يجب أن يكون
هناك طريقة ما نستطيع بواسطتها أن نفصل بينهم وبين الأجيال القادمة، كي نمنع
العفن من أن يتسلل خلسة اليها ويفتك بها، كما فتك بهذا الإمام وغيره من
المجانين.
من
منّا يستطيع أن يصل إلى الأجيال القادمة، كي يُقنعها بأنّ الملائكة لاتنزل
على دور العبادة، وإنّما تمر على الحقول والبيادر والمصانع والمدراس والمحاكم
والبيوت، وتكتب تقريرا لله عن غزارة الحقول، ووفرة البيادر، وجودة المصانع،
وسلامة المدارس، وعدالة المحاكم، ونظافة البيوت، وليس عن دور العبادة ومن
وصلها أولا، ومن لم يصلها أبدا، فخير معبد للانسان عمله، وأدقّ مقياس هو
انجازه!
**************
عندما كان بيريز كافييار أمينا عاما للأم المتّحدة، قام وزوجته بزيارة منطقة
ضربتها المجاعة في السودان وأودت بحياة الكثيرين من الأطفال.
تقول زوجته: أمام هذا المشهد المرعب، أمام آلاف الأطفال الجياع، أحسست بعجزي
واحباطي. وفي محاولة يائسة لفعل شيء، أيّ شيء، مددت يدي إلى محفظتي فعثرت على
قطعة من السكاكر، ناولتها لطفلة تنظر إليّ بعينيها الحزينتين. تناولتها
الطفلة وبلمح البصر وضعتها في فمها، فارتسمت على وجهها ابتسامة جميلة تسرّبت
في كلّ خلاياي، ومنحتني احساسا بالدفء! هذا كلّ مااستطعت أن أفعله في تلك
اللحظة! لايهمّ، المهمّ أنني رسمت ابتسامة، ولو كانت قصيرةالأمد، على وجه طفل
حزين!
كم
رجل مسلم في السودان يقوم ويقعد في الليل والنهار؟!! وكم من الجمال يذبح هناك
وهو يقوم ويقعد ويوزّع لحومهم على الفقراء؟! في مخيّلة هؤلاء المعتوهين
ملايين الجمال، ولكن على أرض الواقع لايوجد يد تمدّ قطعة من السكاكر لطفل
جائع حزين!
في البلاد التي يموت فيها طفل من شدّة الجوع ولا يوجد رجل يتبرع بقطعة
سكاكر، لايعيش الله!
وفي بلاد يقوم ويقعد ملايين الرجال ولا يذبح جملا ويوزّع لحمه على الجياع،
لايوجد الله!!
من
منّا سيحاول أن يقنع الأجيال القادمة بأنّ الله يبدّل حسناتهم بسيئاتهم، وليس
العكس؟!
من سيحاول اقناعهم بأنّ السيئة الواحدة تمحي عشرة آلاف حسنة، وليست الحسنة
هي التي تمحي عشرة سيئات!
أيّة طريقة تربويّة تلك التي تعلم طفلا أن الصلاة تمحي ماتقدّم من الذنب وما
تأخر؟! مالذي سيردع هذا الطفل من أن يصبح رجلا فارغا عاجزا عن تقديم أية
فائدة، طالما هو مقتنع أنّ صلاته ستمحي كلّ سيئاته؟!
لو لم يقتنع صدّام حسين بتلك العقيدة لعدّ للألف قبل أن يحفر مقابر جماعيّة
بعرض البلاد وطولها! ولو استطاعت تلك العقيدة أن تزرع في وجدان الشيخ محمّد
ذرّة واحدة من الوازع الأخلاقي، لارتدع قبل أن يطعن بشرف امرأة، زوجة وأمّ
وسيّدة مجتمع وطبيبة وكاتبة لها قراؤها ومحبوها حول العالم، مهما اختلفت تلك
المرأة في رأيها وأفكارها معه!!
لقد تحوّلت تلك الأمّة إلى لسان داشر يقرقع كالطبل الفارغ، مفتخرا بصوته
جاهلا حجم جوفه!!
***********
وهنا أتسائل: من سيعيد تأهيل تلك الأمّة عقليّا؟ من سيفتح جمجمة الرجل المسلم
ويستأصل من دماغه تلك الأورام الخبيثة التي فتكت بخلايا دماغه ودمرت المواقع
الحركيّة والحسيّة في قشرة ذلك الدماغ؟ من هو الجراح الماهر الذي سيقوم
بإعادة زرع الأعصاب التي تربط القشرة المخيّة لهذا الرجل المعتلّ بلسانه؟!!
لا
يستطيع أيّ جرّاح أن يستأصل ورماً قبل أن يعرف طبيعة هذا الورم، قبل أن يسلّط
عدسة مجهره الإلكتروني على خزعة منه محاولا أن يعرف كيف يتكاثر هذا الورم
وكيف يخرّب الأنسجة السليمة ويمنعها من القيام بوظائفها الطبيعيّة، فالأورام
الدماغيّة تختلف بأحجامها وطرق انتقالها وسرعة انتشارها ودرجة خبثها!
عندما يتحول الدين إلى سرطان يفتك بدماغ الإنسان يجد الطبيب المعالج نفسه
أمام أخبث وأشرس الأوارم الدماغيّة وبالتالي الأصعب علاجا واستئصالا!
هناك فرق بين الورم الديني وغيره من الأورام وهو أنّ المصاب به يقتنع، إلى
حدّ التسليم، بالنعمة التي أفاضها الله عليه عندما بلاه به، ويبدو عاجزا عن
التمييز بين حدود هذا الورم وبين خلاياه السليمة. عندما يتجاهل المريض خطورة
هذا الورم معتبرا إياه جزءا طبيعيا من تركيبته البنيويّة يستفحل هذا الورم
ويصبح نفسه الهويّة البنيويّة للمريض.
أيّة محاولة في تلك المرحلة لإستئصال الورم أو حتّى تجميله تعتبر من قبل
المريض محاولة لتشويه هويّته وتخريب كيانه وملامح بنيته!
عندما استفحل الدين حتّى أصبح هويّة الرجل المسلم وصل هذا الرجل إلى أخطر
مراحل مرضه ويبدو الأمر خارج قدرة أي طبيب على علاجه!
الرجل المسلم يعيش اليوم أخطر مراحله. صار دينه هويته!
إذن، أزمة هذا الرجل اليوم هي أزمة دين وهويّة!
في
أحد المواقع الإلكترونيّة لفت نظري مقال لكاتب مسلم يتّهم أمريكا واسرائيل
بالسعي للقضاء على الإسلام، ورغم أن المقال لم يتجاوز في طرحه لأزمة المسلمين
اليوم حدود اللسان الداشر، تطرّق الكاتب من خلاله ـ دون أن يدري ـ إلى فكرة
الدين والهويّة، مازجا بينهما، في تساؤله: يريدون أن يجرّدونا من الإسلام،
إذا لم نكن مسلمين من سنكون؟
الأزمة التي يعيشها المسلمون اليوم واقتناعهم المطلق بأنّ دينهم هو هويّتهم
وبأن أيّة محاولة لإعادة النظر في التركيبة العقائديّة للدين الإسلامي هي في
حقيقة الأمر محاولة لتشويه هويّة المسلمين، هذه الأزمة يجب أن تؤخذ بعين
الاعتبار من قبل أي معالج أو مفكّر يريد أن يفتح بابا للشمس والهواء في جمجمة
الرجل المسلم!
مخاوف المسلمين على دينهم هي في حقيقة الأمر، مخاوفهم على هويّتهم!
إذن، الأزمة ليست أزمة دين بقدر ماهي أزمة هويّة!
لاأريد هنا من القارئ أن يخطئ فهم مارميت إليه بقولي: الأزمة ليست أزمة دين،
فأنا لا أبرّئ الدين في أي حال من الأحوال بل أعتبره العامل الممرض الأول
والرئيسي الذي تسبب في تعطيل عقل المسلم، ولكن ماأقصده بأن غياب الهويّة التي
ترسم ملامح الرجل المسلم بصورة عصريّة منطقيّة ومقبولة أخلاقيا وانسانيا،
والفراغ الذي أحدثه هذا الغياب هو الذي سمح للدين بأن يستفحل وينتشر بلا
ضوابط كي يملأ هذا الفراغ.
تماما يبدو الأمر كمبدأ المكنسة الكهربائيّة: الضغط السلبي الذي تولّده
الكهرباء داخل كيس القمامة يحدث فراغا، فتقوم المكنسة في شفط مايقع في طريقها
كي تملأ هذا الفراغ!
عندما غابت الهويّة التي تستطيع أن تميّز الرجل المسلم كانسان فعّال منطقي
منتج مبدع، قام هذا الرجل بشفط الدين لملء هذا الفراغ الذي أحدثه هذا
الغياب!
واستنادا إلى هذا المبدأ لاأستطيع أن أمدّ يدي لإستئصال هذا الورم إلاّ إذا
أوجدت بديلا لملء الفراغ الذي سيحدثه هذا الاستئصال.
الهويّة هي البديل!
لكن ليس بالسهولة التي يمكن أن نتصوّرها!
وقبل أن نتسائل ماهي ملامح تلك الهويّة وكيف سنقوم بتحديدها وتعريفها، علينا
أن نتسائل: بادئ ذي بدء ماهي العوامل والأسباب التي ساهمت في غياب تلك
الهويّة؟
وهنا تواجهنا قصة البيضة والفرخة ومن منهما أنجب الآخر: هل طبيعة التعاليم
الاسلاميّة هي التي ساهمت في طمس هويّة الرجل المسلم أم أنّ غياب هذه الهويّة
هو الذي ساهم في استفحال هذا الدين؟
يبدو أننا ندور في حلقة مفرغة لانعرف أيّة نقطة على سطحها قادتنا إلى الأخرى،
ولكي نخرج من تلك الدوّامة يجب أن نقنع أنفسنا بأنه ليس مهماً أن نعرف!
المهم ايجاد هويّة تميّز هذا الرجل وتحدّد له موقعا على خارطة البشر. ايجاد
هويّة جديدة وزرع الثقة والإيمان بتلك الهويّة لدى الرجل المسلم أمر ليس سهلا
ولكنه ليس مستحيلا.
استئصال الدين وإيجاد هويّة لملء الفراغ الذي سيحدثه هذا الاستئصال عمليتان
يجب أن تكونا متزامنتين ومتلازمتين، لا نستطيع أن نبدأ بواحدة قبل الأخرى!
في
عالم اليوم، يثبت الإنسان هويّته عن طريق عمله!
عندما تتردد على مسامعنا اسماء دول كأمريكا.. المانيا.. فرنسا.. اليابان..
تقفز إلى أذهاننا فورا ملامح هويّة كل دولة فنتخيّل منتجات الدولة ومستوى
انتاجها ورفاهيّة شعبها والمكاسب التي حصل عليها انسانها من خلال تقديسه
للعمل المثمر، ودأبه المستمر لتطوير تلك المكاسب، وبالتالي تحسين الهويّة
التي تميّزه وصقلها.
ولو حاولنا أن نقرن ذكر الباكستان ـ أو أيّة دولة اسلاميّة أخرى ـ بصفات
تميّزها كدولة، لما وجدنا في حيّز ذاكرتنا سوى الفقر والجوع والتخلف والظلم
والتسيب والرشوة والفوضى والمرض والجهل والإرهاب!
إذا كتب عليك أن تلتقي بأمريكي أو فرنسي أو ألماني أو ياباني وتتعامل معه
لفترة طويلة لن تسمع منه، ولو مرّة واحدة، مايشير إلى دينه الذي يعتنقه. وإذا
التقيت بباكستاني، أو أيّ رجل مسلم، وسألته، للوهلة الأولى، عن رأيه بالطقس
يردّ: أشكر الله أنني مسلم!
هل
الإختلاف في الموقف من الدين بين الأمريكي والباكستاني يعود إلى الإختلاف في
درجة التديّن لدى كلّ منهما؟ طبعا لا! لكنّه يعود، في حقيقة الأمر، إلى
الإختلاف في مفهومهما للتديّن!
الأمريكي يعتبر الدين أمرا شخصيّا جدا لاعلاقة للآخرين به، ولا يحس بضرورة
ذكره لإثبات هويته فلقد أثبتها بعمله وانجازه وابداعه وتفوّقه. بينما
الباكستاني يعتبر الدين هويته بعد أن فشل في اثبات تلك الهويّة بطريق أخرى،
ويحس بحاجته لذكر دينه إذ ليس لديه شيء آخر يعرّف من خلاله على نفسه!
العمل هو الذي يجسّد الهويّة، هويّة الفرد وبالتالي هويّة المجتمع!
يستمدّ الرجل المسلم مفهمومه وتقييمه للعمل من دينه. لقد أساء هذا الدين إلى
مفهوم العمل الصالح والمثمر وفشل في تقييمه وتعريفه وايجاد القوانين التي
تنظّمه وتشجّع عليه.
وهنا سيحتجّ الكثيرون: ولكن الدين الاسلامي حضّ على العمل الصالح، الآيات
والأحاديث والاجتهادات بهذا الخصوص تعدّ ولا تحصى!
يذكّرنا الطبيب النفسي الأمريكي توماس هاريس بمبدأ في علم الرياضيّات ـ
سيتّذكره من القراء الذين يلمّون ولو إلماما بسيطا بقواعد الجبر ـ هذا
المبدأ يقول: عندما تضرب رقما سلبيّا برقم إيجابي ستكون النتيجة رقما سلبيّا
بغض النظر عن مقدار كلّ رقم على حدة. ولكي أبسط الفكرة دعوني أضرب مثلا:
(-
1) ضرب ( + 1000) = - 1000
لاحظوا هنا المقدار الإيجابي 1000 والمقدار السلبي 1 ومع هذا كانت النتيجة
عندما قمنا بضرب الرقمين لصالح السلبي!
يتابع الدكتور هاريس قوله: في علم التربية نستطيع أن نطبّق هذا القانون على
الإنسان. أيّة سلبيّة يظهرها أحد الوالدين في سياق تلك المهمّة الشّاقة
والطويلة تقضي على الكثير من ايجابياته.
بمعنى لو وعظ الوالدان المسلمان أمام أطفالهما في الليل والنهار عن أهميّة
العمل المثمر والدؤوب ثم قرأ أحدهما على طفله غزوات النبي ومبدأ تقسيم
الغنائم في الإسلام لن ينفعهما أي شيء من وعوظهما وارشادهما.
الإنسان في نهاية المطاف يتجسّد في خالقه ويصبح هو هذا الخالق بشحمه ولحمه
وكلّ صفاته!
تلك حقيقة يؤكدها علم النفس والسلوك، فالإنسان يتعلّم بالتقليد، وهو يقلّد
عادة مثله الأعلى سواء كان هذا المثل والده أم شيخه أم معلمه أم نبيّه، وهنا
أعتقد أنّه في أغلب الأحيان يكون ربّ الأنسان هو مثله الأعلى!
من
خلال خبرتي الشخصيّة، عندما ألتقي بانسان وأتعمق في علاقتي معه أعرف الكثير
عن الاله الذي يعبده هذا الانسان لأنني أراه فيه.
يفتح الطفل المسلم كتاب الديانة ليقرأ عن نبيّه، بل في حقيقة الأمر عن مثله
الأعلى. أول كلمة يقرأها عن سيرة هذا النبي هي غزواته!
عندما يقول الكتاب: كان النبي ـ صلّى الله عليه وسلم ـ يغزو، يطرح سؤال مهمّ
نفسه: ماهي الرسالة التي يتلقاها هذا الطفل بالإيحاء؟
وعندما يتابع: وكان ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يسبي النساء والأطفال ويوزّع
الغنائم على المؤمنين! يطرح سؤال آخر نفسه: و ماهي تتمّة هذه الرسالة؟
النبي يغزو، ولنا أسوة حسنة في نبيّنا!
النبي يغنم، ولنا أسوة حسنة في نبيّنا!
النبي يسبي النساء، ولنا اسوة حسنة بنبيّنا!
إذا يحقّ لي أن أغزو وأغنم وأسبي!!
عندما يدرك الطفل المسلم بأنّ الهه يزاحم نبيّه على خمس الغنائم "لله خمسه
وللرسول.." أي نوع من االالهة سيتقمص هذا الطفل؟
تعالوا نفتح إحدى قواميس اللغة العربيّة وليكن "المنجد للغة" ونصرف بعض الوقت
في التنقيب عن معنى الغزو والغنائم في ذلك القاموس: "غزا القوم بمعنى سار
اليهم لقتالهم وانتهابهم!"
نفهم من هذا التعريف بأن الغزو لم يكن، كما يدّعي من يحاول تبرير تلك
الغزوات، لم يكن طريقة للدفاع عن النفس بل كان طريقة حياة!!
عندما يصبح الغزو طريقة حياة أين هي قيمة العمل؟
يغنم الرجل بمعنى: يأخذ شيئا دون مقابل ـ هذا هو تفسير القاموس لكلمة غنم!!
عندما يصبح مبدأ الرجل في الحياة أن يأخذ بلا مقابل أين هي قيمة العمل؟
ألا نرى هذا المبدأ ساري المفعول في مجتمعاتنا الإسلاميّة؟ ألا نرى فيه سببا
رئيسيا لكلّ حالات البطالة والتسيّب والرشوة التي تتفشى في كلّ جوانب الحياة
في تلك المجتمعات!
حدّثني شخص من معارفي عن أخيه الذي يعيش في الوطن الأمّ فقال مفتخرا: كان أخي
معلما بسيطا في إحدى المدارس ولم يكن راتبه كافيا لإطعام عائلته، أثناء رحلتي
الأخيرة إلى الوطن التقيت صدفة باللواء فلان الفلاني فدعوته لزيارتي في
أمريكا ووعدته أن تكون نفقات السفر والإقامة على حسابي، ثم شرحت له في سياق
الحديث وضع أخي وطلبت مساعدته. خلال أقل من اسبوع استلم أخي منصبا كبيرا في
إحدى الوزارات، قال لي اللواء عندما التقى بي: سيستلم أخوك هذا المنصب لمدة
عامين على الأقل وعليه خلال تلك الفترة أن يدبّر رأسه!
وصل المعلم البسيط إلى المنصب الكبير عن طريق الغزو، وسيغنم منه مايقدر عليه
خلال عامين!
المبلغ الذي سيدفعه هذا الشخص لسدّ تكاليف زيارة اللواء له في أمريكا ونفقات
تلك الزيارة كاف وكفيل أن يساعد أخاه للقيام بأي مشروع يدرّ عليه كسبا حلالا
ولقمة نظيفة، ولكن يبقى مفهوم الغزو والغنائم سيّد المواقف!
تقدّمنا مرّة بشكوى لمدير الصحة عن تسيب عامل التنظيفات في غرفة الإسعاف
وتغيّبه عن الدوام وعدم التزامه بالعمل الموكل اليه، قال المديرغاضبا: نام
هذا الرجل على باب بيتي اسبوعين وكان يركض ورائي كلّ صباح عند مغادرتي للبيت
متوسلا: دخيلك ياسيادة المدير! زوجتي وأطفالي يتضورون جوعا ، دخيلك! أبحث عن
عمل كي أسدّ به رمقهم!
ويتابع المدير: بعد أ سبوع من تعيينه كعامل تنظيفات في غرفة الإسعاف بدأت
الشكاوى عليه تنهال من كلّ حدب وصوب!
أين الخلل في تلك المعضلة؟
هل
الخلل في الشخص الذي يقيم في أمريكا واشترى لأخيه منصبا في الوطن الأمّ، أم
الخلل في أخيه المعلم البسيط، أم الخلل في اللواء، أم الخلل في مدير الصحّة،
أم الخلل في عامل التنظيفات؟!!
طبعا لا! بل الخلل في الإرث الفكري الإسلامي الذي شوّه مفهوم العمل والكسب
لدى هؤلاء الرجال!
المنصب غنيمة وليس عمل ومسؤوليّة، والوصول اليه يتم عن طريق الغزو وليس عن
طريق امتلاك المهارات والكفاءات!
معلم بسيط ينام ليفيق مسؤولا عن منصب كبير ’يفترض أن يتّطلب الفوز به
امكانيات ومهارات معيّنة، ورجل شحاذ، لايعرف من أمور النظافة شيئا، ينام على
باب المدير ليفيق عامل تنظيفات في أشد الأماكن حساسية وتتطلبا للنظافة، في
مستشفى، بل في غرفة اسعاف!
من
سينقذ هذا الرجل من المطبّ الفكري والكابوس العقائدي الذي وقع ضحيّته؟!!
قرأت مرّة مثلا يقول: عندما تتخوزق لاتلمس مؤخرتك، بل فتش داخل رأسك عن
الفكرة التي خوزقتك!
لقد تخوزق الرجل المسلم، وقبل أن يسحب الخازوق من مؤخرته، عليه أن يسحبه من
داخل راسه!!
**********
الواقع الذي يعيشه أيّ انسان هو ناتج حتميّ لسلوكه وتصرّفاته، وسلوك الإنسان
وتصرّفاته، هي بدورها ناتج حتميّ لبنات أفكاره!
لكي تغيّر الواقع، أيّ واقع، عليك أن تسعى لتصحيح السلوك البشري المسؤول عن
هذا الواقع، ولكي تفعل ذلك عليك أن تحفر عميقا في البنيّة الفكريّة للانسان
كي يتسنّى لك أن تقلع الفكرة التي ساهمت في تشويه ذلك السلوك.
لاتسطيع أن تغيّر الواقع المخزي الذي يعيشه العالم العربي والإسلامي إلاّ
بتغيير سلوك الفرد المسؤول عن خزيّ هذا الواقع، ولكي نفعل ذلك علينا أن نعيد
النظر في البنيّة الفكريّة والعقائديّة لهذا الفرد.
الغزو ليس طريقا صحيحا للكسب، والغنائم ليست وسيلة مشروعة للعيش!
عندما يقتنع الرجل المسلم بتلك المبادئ يسعى لتغيير مفهومه للحياة والعمل.
وتكون قناعته تلك بداية النهاية لواقع مؤلم يتميّز بالنهب والسرقات والغشّ
والخيانه والرشوة والطمع والكسل والإهمال والتسيّب!
لست خبيرة في علم الإجتماع أو الإقتصاد. لم أدرس يوما وبالتفصيل العوامل التي
لعبت ولم تزل تلعب الدور الأكبر في تقديس الإنسان الغربي للعمل الدؤوب
والمثمر، لكنني، وضمن قناعتي المطلقة بأنّ وراء كلّ سلوك فكرة ما، استطيع أن
اؤكد أنّ مصدر هذا التقديس هو الكتاب الذي علّمهم بقوله: ومن بعرق جبينك تأكل
لقمتك!
لاتهمّني العلاقة الغيبيّة بين الخالق والمخلوق ولا أدافع عن أي دين من
الناحيّة الالوهيّة، لاأحد يستطيع أن يثبت وجود تلك العلاقة.
الايمان بها، كان ولم يزل منذ بدء الخليقة، ضربا من التسليم. لكنني أتناول
الدين، أيّ دين، كفكر ساهم في قولبة سلوك أتباعه وبالتالي في خلق واقعهم ورسم
معالم ذلك الواقع.
الإيمان بالعمل الدؤوب والمثمر هو القيمة الأخلاقيّة والفكريّة التي تشكل
الأساس الذي تبنى عليه أيّة قيمة أخلاقيّة أخرى.
الأزمة في العالم الاسلامي أزمة أخلاق، والأمّة برمّتها تعيش حالة من
الإنهيار الأخلاقي الذي لايبعث على التفاؤل بالمستقبل المنظور!
الخطوة الأولى نحو الحل وإعادة ترميم الجهاز الأخلاقي المنهار يجب أن تبدأ
بوضع تعريف جديد للأخلاق. حسب مفهومنا للأخلاق لايوجد أيّ مكان للعمل المثمر
ينطوي تحت لواء هذا المفهوم.
خلطنا في مفاهيمنا بين الأخلاق والعادات والتقاليد، علما بأنّ للأخلاق تعريف
عالميّ وشيفرا متعارف عليها في كلّ زمان ومكان. ماهو أخلاقي في غابات الكونغو
كنشاسا يفترض أن يكون أخلاقيا في الفاتيكان والرياض وواشنطن ولندن وبين
الفلاحين في قرى الصعيد!
الزيّ الفلاحي الذي ترتديه المرأة الصعيديّة هو عادة وتقليد وليس قيمة
أخلاقية يفترض أن تلتزم بها المرأة في أيّ مكان آخر! لكنّ الالتزام بالعمل
المثمر والدؤوب هو قيمة أخلاقيّة يجب أن يلتزم بها الإنسان في أيّ مكان وزمان
آخر!
هناك فرق، وهذا الفرق كبير، بين التركي |