|
مجلة
"الرجل اليوم" ولقاء مع نبيل فياض
اللقاء التالي أجراه السيد عساف عبود عن مجلة "الرجل اليوم" الإماراتية مع
نبيل فياض. المقابلة نشرت على دفعتين في المجلة المذكورة وقد وصلتنا عن طريق
السيد فياض لنشرها في منبره على "الناقد"
*******
عساف عبود: مجلة الرجل اليوم الإماراتية
ـ
عدد نيسان 2005
في كل مرة يتحدث فيها نبيل فياض للصحافة لا بد ان يثير الزوابع ويصبح حديث
الاوساط السياسية والثقافية والفكرية والدينية في سوريا وخارجها فهو معروف
بنقده الواضح والصريح للفساد، ومعروفة ايضا حربه المعلنة على الاصولية
والطائفية التي يراها متفشية بشكل مريع في المجتمع، حتى انها وصلت الى افكار
حزب البعث الحاكم في سوريا في تناقض يراه مؤشراً خطيراً لسيطرة الفكر المتطرف
في كل مكان.
مؤخرا تم توقيف فياض لمدة 33 يوماً من قبل اجهزة الامن السورية، وهو امر اثار
زوبعة صغيرة معتادة ولكنها كبرت وتضخمت واعتبرها البعض هزلية، عندما اصدر
بياناً عقب اطلاق سراحه يشكر فيه اجهزة الامن على احتجازه وعلى حسن معاملته.
في حوارنا معه بدأنا من هذا البيان لننطلق الى مناقشته في
امور اكثر سخونة تتعلق بالوضع الداخلي في بلد بات على اجل.
س
ـ
ما مبرر اصدارك بياناً تمتدح فيه اجهزة الامن بعد خروجك من السجن؟
ج
ـ
السبب بسيط: كان كمّ المقالات التي تناولت مسألة توقيفي غير عادي، بما في ذلك
بعض ما نشره الاخوان المسلمون السوريون! كان ثمة من يريد ضرب النظام بعصا
توقيفي وهذا ما ارفضه قطعا. الوضع السوري ليس في افضل حالاته عموما وانا لا
اريد ان ازيد الطين بلة. مع ذلك اشدد على القول ان التعامل معي من قبل جماعة
الامن السياسي كان اخلاقيا الى درجة اللامعقول.
س
ـ
هذا يناقض كلامك لصحف كثيرة من انك اوقفت دون جريمة؟
ج
ـ
جريمة ماذا؟ هل ثمة من اخبرك انني ادخل لحم بقر مجنون من لبنان مثل مافيات
الفساد لابيعه في علب المارتديلا؟ هل هنالك من اخبرك انني رغم راتبي الذي لا
يتجاوز 400 دولار شهرياً امتلك فيلا ثمنها لا يقل عن 4 ملايين دولار؟ هل ثمة
من حدثك عن دخولي في شبكات التهريب المنظم والمخدرات المنظمة والرقيق الابيض
الشرعي؟ اذا كنت اول من اشاد بمن اوقفوه
ـ
وهؤلاء مثلي يخضعون لسواطير الفساد ذاته
ـ
لانهم كانوا اخلاقيين في توقيفه فانا افتخر ايضا بكوني اول من اوقف في سورية
لنقده الاعنف للفساد والطائفية والاصولية على حد سواء. توقيفي في اعتقادي كشف
العورات كلها: فمن ناحية اثبت ان الفساد والاصولية ما زالا صاحبي اليد الطولى
في البلد رغم الاخطار الخارجية الهائلة التي تلفنا من كل الجهات، ومن ناحية
اخرى اظهر ان حديث السياسيين السوريين عموما، عن الديمقراطية هو "حديث خرافة
يا ام عمرو". بالمناسبة واصر هنا على موقفي فقد اثبت رجالات الامن الذين
اعرفهم على الاقل انهم اكثر ديمقراطية وحضارة وانفتاحا من رجالات السياسة..
س
ـ
هل نفهم من كلامك وكأن عملية التوقيف تمت بشكل ارتجالي غير مدروس؟
ج
ـ
لا! اعتقد ان توقيفي اراح قطعان الاصولية التي تجتاح سوريا كالطاعون وركام
الفساد الذي لا يهمه حتى لو انهار الوطن بسبب عوامل "الحت" الداخلية
والخارجية. اقولها بكل اسف، الاصولية تعتقد ان سوريا "سُرقت" منها لهذا فهي
لا تمانع ان يُعاد اليها ما سُرق حتى وان تم تخريبه.
س
ـ
قلت معاملة جيدة وتوقيف دون تهمة، كيف تفسر الموضوع؟
ج
ـ
تناهى الي مؤخرا ان احد المسؤولين الكبار انزعج من احدى مقالاتي في جريدة
كويتية وهكذا تم توقيفي بما يرضيه ولا يسيء الي!
س
ـ
هنالك الكثير من المعارضين المقيمين في سوريا يتكلمون بشراسة اكثر منك ولا
احد يحاسبهم. ما تفسيرك للموضوع؟
ج
ـ
انا انصح بقراءة ما كتبه الباحث الاميركي (جوشوا لاندس) في موقعه نقلا عن
مسؤولين سوريين واقتراحاتهم باسلمة حزب البعث
ـ
على طريق غير المأسوف عليه المجرم صدام حسين في اخر ايامه
ـ
كي يصل الى الجماهير اكثر، كما انصح بقراءة ما نشرته بعض الجرائد الخليجية
الليبرالية حول فضائح آل خدّام الذين لم يخدموا غير انفسهم! كم سيبدو الوضع
مأساويا حين نعرف كنه "الالهة" التي نتشفع بها قسرا منذ خمس وثلاثين سنة.
بالمناسبة لم يكتب احد بجرأتي لا في الداخل ولا في الخارج. مهمة المثقف هذه
الايام قاتلة، خاصة وهو يرى الوطن ينهار ويكره اخذ دور الشيطان الاخرس
س
ـ
لكن هنالك من هم اجرأ منك؟
ج
ـ
من هم ؟
س
ـ
لا اريد تقديم اسماء لكن بالنتيجة ثمة اناس يتكلمون عن الاوضاع الداخلية
السورية وعن التطوير وضرورة التحديث والخروج من حالة الفساد دون ان يعتقلوا
ثلاثة وثلاثين يوما؟
ج
ـ
اعتقد ان دور التيار الاصولي محوري ولا اظن ان حلقة خدّام بعيدة كعقلية عن
هذه الاصولية
س
ـ
انت تتكلم الان في مسألة التيار الاصولي: برأيك، هل هو قادر ان يصل الى مرحلة
يفرض نفسه فيها على مؤسسات الدولة ؟ وهل يعقل ان تعتقل دولة باحثا لا هم له
سوى مواجهة الاصولية حسب قولك؟
ج
ـ
لا شيء بمستغرب عن التيار الاصولي! اليس في تقاليدهم قتل شاعر لمجرد كتابته
قصيدة لا تتماشى مع المتعارف عليه؟ اليس في تقاليدهم فسخ عجوز اسمها ام قرفة
نصفين لامور مشابهة؟ اذا كان التيار الاصولي بلا عقل هل يعقل ان تفقد الدولة
عقلها اذا ما ارادت عقد قرانها "العرفي" عليه؟ الامر اكثر من خطير، خاصة اذا
ما عرفنا ان الولايات المتحدة التي ترتجف خوفا كل يوم من صواريخ وزير
خارجيتنا الاسرع من الصوت تضع في حساباتها تصفية الاصولية الاسلامية مع كل
حواشيها في الامن! كان الامر برمته مسرحية سمجة! قيل لي اني كوّنت (كذا)
تنظيما اسمه التجمع الليبرالي في سوريا. تجمّع استثني منه الصديق جهاد نصرة
ورفيق الزمن الطويل الياس حلياني واستاذا جامعيا درزيا، مشكّل من مخبرين
بدرجة مثقفين، يخيف الدولة، في حين ان تنظيما نسائيا ارهابيا نسبيا اسمه
"القبيسيات" يعمل دون كلل ولا ملل على تحويل نساء السنة في بلاد الشام الى
دجاج طائفي غبي، يضم عشرات الالوف لا يجرؤ احد على مسّ شعرة من رأس امرأة
منه. حين كنت موقوفاً تناقشت مع ضابط امن بيني وبينه ما صنع الحداد في مسألة
القبيسيات، فقال: حين تجرأ الامن على استدعاء قبيسية انهالت الهواتف على
الجميع وعلى اعلى المستويات فتم الاعتذار منها وربما ايصالها الى المنزل على
سجادة حمراء.
في التجمع الليبرالي كنا مجموعة تنتمي الى الطيف الديني السوري بمعظمه: سنة،
علويون، دروز، مسيحيون.. وكنا نضع امام اعيننا هدفين لا ثالث لهما: محاربة
الطائفية ومحاربة الفساد. القبيسيات بالمقابل كمؤسسة تكفيرية طائفية متحجرة
اخطر على مستقبل سوريا من ارييل شارون! عندما يسيطر التيار الاصولي على عقول
السوريات المستلبات اصلا فانه يضمن بالتالي وضع الجيل كله في جيبه! هؤلاء
الصغيرات التكفيريات اللواتي هن المعول الابرز الذي سيعمل عاجلا ام اجلا على
تحطيم الموزاييك الوطني. وتأجيل الدولة للانفجار لا يمنعه.
س
ـ
إلام تعيد هذه الردة على مستوى التطرف الديني او السياسي في سوريا؟
ج
ـ
لقد كتبت قبل مدة مقالة بالانكليزية عن هذه المسألة. باختصار شديد اقول: ابحث
عن البعثيين! لقد اقفل البعثيون كل الابواب امام التيارات الديمقراطية
الليبرالية الفعلية وتركوا الساحة مفتوحة بالكامل لمرضى التعصب والطائفية من
امثال محمد سعيد رمضان البوطي الذي عُمّم بابهة ابوية من قبل رئيس جهاز امن
سابق. وهكذا لم يكن امام المواطن السوري غير خيارين: البعث الموشوم
بالانتهازية والاصولية التي تقدم ذاتها كذبا على انها خلاص الدنيا والاخرة.
"فدخل قطار الوطن كله في الحيط"
س
ـ
والجبهة الوطنية التقدمية التي تضم احزاب لماذا ابعدتها؟
ج
ـ
الجبهة مقفلة منذ عام 1973 والتقدم مناط بالشاب العروبي المتقد محمد سعيد
البوطي والطفلة المعجزة منيرة القبيسي! لقد كانت الجبهة تضحكنا الان صارت
تثير اقياءنا. مجموعة تعود الى زمن "الطوهو بوهو"! مجموعة صبيتها المدللة
الرفيقة وصال فرحة! مجموعة تنقسم باراميسومياً كقدري جميل الذي طلّق حرمه
المصون وفتح حزبا لان حماته فضّلت ابنها عليه! مجموعة لا هم لها سوى المرسيدس
والامتيازات ومجلس الشعب (هكذا اسمه) ماذا تستحق برأيك يا عزيزي؟
س
ـ
ثمة من يقول ان شهادتك مجروحة بالنسبة للتيار الاصولي فكتاباتك السابقة عموما
كانت هجوما كاسحا على كل ما هو ديني. هل البلد ذاهب فعلا باتجاه التطرف
الديني ام المسألة تنظير خاص بك؟
ج
ـ
البلد ذاهب! ما هذا السؤال الاغرب! لقد ذهب البلد!! الا ترى يا صديقي كمّ
النقاب بين النساء السوريات بعد ان انتهى البوطي وقبيسيته وآل كفتارو من
الحجاب؟ الا ترى كم الطفلات المحجبات امام مدارس حلب الابتدائية؟ هل مررت يوم
جمعة امام مساجد دمشق ولاحظت الملايين الزاحفة بالابيض نحو منابر الاصولية في
عاصمة الصمود والتصدي؟ هل ذهبت يوما الى جامع بلال الدمشقي وسمعت المعزوفات
النشاز برعاية الدولة الحكيمة؟ الوجه الاخر للكارثة هو البعثيون! فمتحف الشمع
المسمى بالقيادة القطرية يحظر كالسنهدرين أي فكر نقد ديني ويفتح الابواب امام
كل ما هو نقلي. باختصار نحن نسير في خطى المرحوم المؤمن جدا انور السادات.
"ومن جرّب المجرّب كان عقله مخرّب" كما يقول المصريون. بالمناسبة: لماذا لا
تصدر القبيسية اياها فتوى بتحجيب الرجال الوسيمين استنادا الى حاشية المتحفي
ابن عابدين؟! نسيت انها شافعية. لكن الشوافعة كما يقال يبيحون الزواج من
الابنة غير الشرعية.. سأسكت!!!
س
ـ
لكن البعثيين يطرحون الان عملية تطوير للنهج الفكري والحياتي والتنظيمي؟
ج
ـ
البعث في زمن العولمة والصواريخ العابرة للقارات ورحلات المريخ يمشي
كالسلحفاة المصابة بالاسهال. الجميل انه بعدما اطار صدام اياه العروبة بغزوة
الكويت وسقط بعده الاتحاد السوفييتي وبقية الكتلة الاشتراكية ما يزال يتمسك
باسمه التقليدي: العربي الاشتراكي. على فكرة الا تجد في اسم "بعث" نَفَساً
اصوليا؟
س
ـ
انت تمنع على البعث حق تطوير نفسه؟
ج
ـ
ليطور نفسه كما يشاء شريطة ان يبعد عنا. ان يتركنا نعمل بنقدية تطويرية. لكن
برأيك قل لي: هل حزب بعث 2005 هو ذاته بعث 1950؟ حزب البعث اليوم مليء حتى
التخمة بانتهازية الوهابية والاخوان والاصولية. في منطقتي، البعثي وهابي في
المنزل حتى الصميم!!
س
ـ
لكن الا تعتقد معي انها خطوة ايجابية اولى من القيادة السورية حين تطرح تطوير
حزب البعث عندما رأت انها بحاجة الى ذلك؟
ج
ـ
هم احرار في تطويره في تغيير اسمه في حذف الاشتراكية في برامجه وشعاراته! كل
ذلك لن يجدي نفعا لانهم فقدوا مصداقيتهم عند الناس عموما! المهم ان يتركوا
غيرهم يعمل!
س
ـ
هل نستطيع اعتبار هذا جزءا من ردك على حلّ التجمع الليبرالي الذي حاولت
تأسيسه؟
ج
ـ
لا، جهاد نصرة حل التجمع حين اوقفت لانه اعتقد انه بذلك سيسحب من الامن ذريعة
اعتقالي. ما لا تعرفه ان مخبر الامن الطبيب ذهب الى الياس حلياني واقنعه
بالمسار الليبرالي فاعتقل الياس هو الاخر!!! الم اقل لك انهم في الدولة لا
يريدون غير القبيسيات والاخوان..
س
ـ
هل يمكن ان تعيد تأسيس التجمع؟
ج
ـ
حتما!
س
ـ
هل طلب منك اثناء التوقيف ان لا تتعاطى الشأن السياسي؟
ج
ـ
على الاطلاق
س
ـ
هل طلب منك ان تتراجع عن طروحاتك تجاه التطرف الديني؟
ج
ـ
اطلاقا!
س
ـ
يقول بعضهم ان عملية سجنك كانت لتلميع صورتك واخراجك بطلاً ؟
ج
ـ
هذا هراء شيوعي الاعتقال لم يغير بي شيء
س
ـ
لم يغير شيئا ولم يُطلب منك شيء؟
ج
ـ
على الاطلاق!
س
ـ
هل فعلا حدث ما تكلمت عنه في بيانك كمسألة تقديم الحليب بالفريز لك خلال
توقيفك والتي وصل نقد بعضهم لها حدود الكاريكاتيرية؟ فهل تطورت الاجهزة
الامنية الى هذه الدرجة ؟
ج
ـ
اولا: ما قلته كان جزءا من الحقيقة ولو تحدثت بالتفصيل لاتهمتني بالفانتازيا
الامنية. لو اخبرتك ما كان يحصل بيني وبين السجانين من تواصل انساني لقلت اني
اعمل "بروباغندا" مجانية للنظام. بالمقابل لم اسجن فعليا حتى اعرف الوضع
العام في سجون الامن السوري. ما اعرفه من علاقتي الخاصة بقلة من ضباط الامن
السوري لا يشير الا في اتجاه التفاؤل.
س
ـ
هل حمتك علاقاتك هذه اثناء توقيفك من أي ازعاج؟
ج
ـ
اعتقد نعم!
س
ـ
رغم ما طرحته في بيان تأسيس التجمع الليبرالي من تمسك بالوطن وحب للوطن الا
ان احدى الصحف الكويتية نقلت عنك انك لا تريد البقاء في سوريا ساعة واحدة
وانك مستعد لان تهاجر اليوم كيف نحلّ هذا التناقض؟
ج
ـ
اهم ما اثبته لي التوقيف اني كنت اعيش وهما اخذته عن السوريين القوميين اسمه
(سوريا وطن الحرف)! سوريا: وطن الحفر! سوريا وطن الاصوليين وتجار لحم البقر
المجنون! سوريا بلد الرشوة والسياسيين الذين لا يرون ابعد من انوفهم! سوريا
بلد العدمية. طبعا احب ترك هذا البلد مرة والى الابد. لم اعد اتحمل الاصولية
التي تفقسها بعض الدولة كل يوم. عرض علي الهجرة الى غير مكان لكني لست مستعدا
لان اترك من وضع مستقر الى حد ما ماديا وان كان غير مستقر امنيا الى وضع ابدأ
فيه من الصفر. على اية حال اصدقائي في الولايات المتحدة جادون هذه الايام في
مساعدتي على المغادرة الى وضع مقبول.
بالمناسبة لقد عملت منذ عام 1999 على تأسيس مركز بحوث، وعملت كعادتي بجدية
تفوق المعقول وكان عملي تبرعا بالكامل من قبلي، مع ذلك فهذا كله لم يشفع لي
ويمنع بالتالي توقيفي!
س
ـ
وبماذا كان يهتم مركز البحوث هذا؟
ج
ـ
بالشؤون البحثية الاسرائيلية. على فكرة لو كنت عملت هذه المدة لصالح ال
CIA
بالاجر لاقامت الدنيا ولم تقعدها على توقيفي بسبب مقالة تطال بنى ايلة
للسقوط!
س
ـ
ذكرت مرة انك لا تقترب من الاعلام السوري وانه لا يوجد مثقف يحترم نفسه يمكن
ان يقدّم ما لديه عبر هذا الاعلام، وذكرت ايضا انك كتبت في الاعلام اللبناني،
اضافة الى عملك الحالي عبر نوافذ كويتية وقطرية. لكن بيانك والردود عليه نشرت
في الصحف السورية! هل هذا يعني ان قناعاتك تغيرت في الاعلام السوري خاصة بعد
وصول الدكتور مهدي دخل الله الى وزارة الاعلام، التي شنيت على وزيرها السابق
احمد الحسن، اقذع هجوم شنّ على وزير اعلام سوري في تاريخ هذه الوزارة؟
ج
ـ
قناعاتي لم تتغير بالاعلام السوري. الدكتور دخل الله ليس نادرا في تاريخ
الاعلام السوري بل نادر في تاريخ الوزارات السورية. ربما ان الدكتور دخل الله
يمتلك مشروعا في غاية الحضارية لكن هل توجد بحوزته الوسائل المعرفية لتحقيق
هذا المشروع؟ لا ادري! هل يستطيع ازالة الخراب الذي احدثه السابقون؟ هل
يستطيع اخراج المافيات من الاروقة؟ هل يستطيع التحليق دون مثقفين لا ادري!!
س
ـ
لكن الا ترى ان ما قام به الاعلام السوري في مرحلة توقيفك وبعدها من خطوات
يمكن اعتباره مبادرة اولية؟
ج
ـ
لا شك ان سقف الحريات ارتفع قليلا صحفيا في المدة الاخيرة لكن المسؤول الاوحد
عن ذلك هو وزير الاعلام الحالي لانه لا يوجد ما هو جديد في دنيا الاعلام
السوري غيره. مع ذلك اصر على ان الوزير وحده لا يستطيع ان يقوم بالمهام كلها.
س
ـ
يقول بعضهم ان كتاباتك المتعلقة بالفكر السلفي الاسلامي ومؤسساته تهدف الى
اخراج الاسلام من القيود البالية واطلاق روحه السمحاء للعالم لكن الواقع يقول
ان هجومك كان علمانيا استئصاليا وانك لا تشبه، وان اختلفت المواقع، غير الفكر
السلفي الاستئصالي الذي تنتقده! هل تعتقد ان مثقفي سوريا وتياراتها السياسية
اطراف فاقدة للغة الحوار؟
ج
ـ
سوف نبدأ من الاخر. العلمانية الاستئصالية مصطلح جزائري روّج له في محاضرة
الدكتور برهان غليون. ليس هنالك الان علمانية استئصالية! العلمانية حيادية
حيال الدين الذي يبدو انه المقصود بالاستئصال. بالمقابل، لا اعتقد ان الوقائع
المعاشة غير المتخيلة تقول ان هنالك اسلاماً غير استئصالي الا في حال اعاد
الاسلام تفسير النصوص وفق العصر على طريقة الدكتور محمد شحرور. اسألك هنا:
بالمعايير الفقهية الدقيقة من اكثر اسلاما: المنفتح (كما يقال والامر غير
صحيح) الشيخ يوسف القرضاوي ام طالبان؟ اذا كان القرضاوي اصح فقهيا لاقنع
طالبان بعدم تفجير تماثيل بوذا. الاسلام الصحيح بالمعايير الفقهية الدقيقة
طالبان فحسب. من تجربتي مع المشايخ في سوريا استطيع القول ان قصة الاسلام
المعتدل تنتمي الى عالم الميثولوجيا ليس الا. اتذكر حين حاولت بدء حوار مع
الشيخ محمد سعيد البوطي عبر كتبنا المتبادلة: ماذا كانت النتيجة؟ لم يترك فرع
امن يعتب عليه الا وحاول تشويه صورتي فيه. بالمقابل فقد قام ابن المفتي
الراحل بزيارة الامن الداخلي لاخبار رئيسه باني ماروني متشيّع (كذا) قادم
لخلق فتن بين المسلمين. وتصور بالتالي كمّ الاستدعاءات التي كانت تأتيني!
البوطي تحديدا حين اصدر كتابه (هذه مشكلاتهم) قمت بشراء 100 نسخة من هذا
الكتاب من دار الفكر ووزعتها على معارف بمن فيهم رجال الدين المسيحي واليهودي
دفعا للحوار الى الامام. هم لا يريدون الحوار لانهم يقفون على رمال متحركة
ونحن نقف على صخور اثبت من الزمان .
س
ـ
هل يعقل ان كل رجال الدين المسلمون في سوريا غير قابلين للحوار؟ هل يوافقك
الدكتور محمد شحرور في ذلك؟ وهل صنفوا الرجل تصنيفك اياه؟
ج
ـ
كل رجال الدين المسلمين السنة في سوريا معادون للحوار. قد يوافقني الدكتور
شحرور قناعاتي،
لم يسبق وتحدثت معه في المسألة لانها محسومة بالنسبة لي. اما التصنيف، فاعتقد
ان الشحرور بنظرهم اسوأ مني: فانا علماني كافر واضح الهوية؛ الشحرور بالنسبة
لهم متمركس يدعي التأسلم، وهو ليس كذلك قطعا.
س
ـ
لا يوجد حوار ايضا مع الدكتور شحرور؟
ج
ـ
لا اعتقد!
س
ـ
لماذ برأيك؟
ج
ـ
كما سبق وذكرت لان اسسهم المعرفية اوهى من ان تتحمل الحوار الموضوعي. لقد سبق
ودعيت الى لقاء مع البوطي من قبل طرف اسلامي يدعي الاعتدال وكان ردّي ان
البوطي لن يأتي لانه يعرف حدوده وحدودي ولم يأت. هؤلاء جماعات كتاتيب لا
علاقة لها بالعصر لا من قريب ولا من بعيد!
س
ـ
هل يعقل ان كل ما يطرح حاليا من فكر اسلامي ليس اكثر من محفوظات دون قواعد
فكرية؟
ج
ـ
الفكر كي يتطور يجب ان يكون نقديا والا لتحوّل في حالة المسلمين النقلية
الحالية الى حالة متحفية موميائية،
جسد ميت سريريا ينتظر قرارا رسميا بإباحة الموت الرحيم! اذكر مرة، وكنت احاضر
في دمشق حول مصادر البخاري في التلمود، سألت: كيف يمكن حل تناقضات البخاري
حين يقال مرة ان النبي قال لفاطمة ابنته: فاطمة بضع مني فمن اغضبها فقد
اغضبني, ثم يقول بعدها: ماتت فاطمة غاضبة على ابي وعمر،
ليقول بعد ذلك نقلا عن النبي: من مات مخالفا امام زمانه مات ميتتة جاهلية!
فوقف شاب ملتح وقال: حل التناقض سهل،
فاحيانا يكون النبي غاضبا واحاديثه هنا يجب ان لا نأخذ بها، واحيانا يكون في
وضعه العادي واحاديثه هنا معتمدة.
هؤلاء اشخاص سطحيون ليس باستطاعتهم مناقشة تراثهم بموضوعية فكيف بمناقشة من
امضى عمره في دراسة تراثه وتراث الاخرين كالمسيحيين واليهود والزرادشتيين.
هؤلاء اوهى من ان يحاوروا، وكشف ضحالتهم الفكرية اكثر من سهل. خطأ الدول ان
تتعامل معهم كما حصل في سوريا واظهارهم بانهم اصحاب قضية.
س
ـ
موقفك العدائي لم يقتصر على الاصوليين بل طال الطرف الاخر أي التيار الشيوعي
عموما.
ج
ـ
الطرفان يمتلكان الاسس ذاتها: التوتاليتارية ورفض الاعتراف بالاخر ومحاربة
التعددية وحق الاختلاف.
س
ـ
الفكر الشيوعي الماركسي الجدلي لا يؤمن بالاخر؟
ج
ـ
طبعا. اين تعيش انت؟ هل نسينا التجربة السوفييتية وبقية الكتلة؟ باختصار
الشيوعي قدري جميل والاسلامي محمد حبش وجهان لعملة واحدة!
س
ـ
لقد حاولت التأسيس لتيار ليبرالي كانت لبنته الاولى "التجمع الليبرالي في
سوريا" لكن جورج كتن يسأل في "النهار" يوم 11/10/2004: (هل تنجح الليبرالية
في بلد مثل سوريا؟)
ج
ـ
سوريا متخلفة لان الغالبية فيها من السنة الاصوليين لكن الشعب ليس متخلفا
كله. هنالك جزر حضارية في سوريا تضاهي السويد والدنمارك. الدولة متخلفة لانها
متحالفة مع الاصوليين لكن ليس الشعب كله على نسق قدري جميل ومحمد حبش. سوريا
بلد الطاقات الكامنة الهائلة،
(امنع عنا اذى الاصوليين واعطنا حرية وانا كفيل بانتقال سوريا الى مصاف اكثر
الدول تقدما).
س
ـ
محمد عابد الجابري يقول: هل يمكن ان تنجح الليبرالية في البلدان المتخلفة
التي تفتقر الى طبقة بورجوازية متقدمة؟
ج
ـ
ومن قال لك ان سوريا تفتقر الى طبقة بورجوازية متقدمة؟ اذكر من اجواء الطفولة
ان البورجوازية السورية الوليدة كانت هامة قبل الناصرية،
مع ذلك البورجوازية ما تزال موجودة وان على نطاق ضيق. كارثة ان تعتبر هؤلاء
المحدثي النعمة الجدد (بورجوازية سورية)!
س
ـ
لم تترك احدا في الموالاة او المعارضة الا وانتقدته الشيوعيون ينقسمون
كالباراميسيوم مع كل اوكازيون،
الناصريون قلة اصولية،
السلفيون استئصاليون، البعث انتهازي شبه منته. ما البديل بنظرك؟
ج
ـ
في البلد اقليات بديلة كثيرة!
س
ـ
لا اريد حديثاً مغمغما عن اقليات! اريد فكرا بكادر محدد اعرف ما ستقوله تماما
نظام مخلخل، بعث انتهازي مهترئ، تيارات اصولية تجتاح المنطقة بصيغ وهابية
واموال وهابية، تيارات ماركسية متكلسة لا تستطيع كسر اصدافها، جماعات مجتمع
مدني تصب حقدها على النظام في صيغ براقة. اين الملجأ؟ ما هي الرافعة التي
لديها صدقية فكرية؟
ج
ـ
هنالك الكثير من الافراد الديمقراطيين الليبراليين اللاطائفيين الذين يبحثون
عن لحظة حرية. عندما اعلنت عن انشاء التجمع اللليبرالي الذي لم يكن حزبا بل
تجمع ثقافي تحدث الي الاف الاشخاص من كافة ارجاء سوريا يريدون ان يكونوا
معنا. اعطنا الفرصة وسوف ترى كم الطاقات الكامنة في هذا البلد. الدولة هي
المسؤولة لكن الشعب كله سوف يدفع غاليا ثمن اخطاء هذه الدولة. ان اعتقالنا
نحن الثلاثة انا وجهاد نصرة والياس حلياني: (انا صدق او لا تصدق من خلفية
سنية شافعية، جهاد نصرة علوي، الياس حلياني مسيحي كاثوليكي) يكشف ان الدولة
لا تريد غير الطائفيين. اذكر حين طلب مني المفتي الراحل احمد كفتارو الذي
كانت تسوقه الدولة على انه "رب الاعتدال" وبحضور الشيخ زاهر ابو داوود اجراء
حوار معه انهى "سماحته" اللقاء بعد السؤال الاول الذي طرحته عليه والذي يقول:
هل تقبل ان تزوج ابنتك من شيعي او علوي او اسماعيلي؟ الدولة تريد هذا الصنف
لانه يلغي العقل. هذا هو اعتقادي الراسخ! لكن الذي يفكر حتى وان كان يفكر
بغير ما اعتدنا عليه افضل من الذي يعمل غرائزيا.
س
ـ
كتابك "مراثي اللات والعزى" اثار جدلا واسعا بسبب هجومك على رجال الدين
المتشددين حيث انه يتهم هؤلاء بانهم مجموعات لا تسعى الى التطور اطلاقا. هل
يمكن لهذا النهج الذي تسير عليه في كتاباتك ان يؤدي الى حالة حوار ام انه
مجرد ثقافة استئصال؟ وما الفرق بينك وبين الطرف الاخر حين تجرّحه مقابل
تجريحه لك؟
ج
ـ
"مراثي اللات والعزى" ح |