الموقع الرسمي 

 |  الرئيسة سياسة |  روابط | نشيد قومي | أرشيف | إتصل بنا |  

أهداف | بيانات  لغة  تاريخ  | ثقافة  |  صور |


الجنوب

 

الكولونيل شربل بركات

 


 

العودة إلى العزلة

شرق صيدا وجزين

حزب الله

اتفاق السابع عشر من أيار

سوء التفاهم الكبير

الاجتياح

التصعيد

من هو هذا "العدو"؟

لبنان الحر

نشوء لبنان الحر في الجنوب بقيادة الرائد حداد

نتائج عملية الليطاني

التمدد السوري وعملية الليطاني

السلم المؤقت والحرب في الجنوب

الحصار الكبير والانقلاب المفاجئ

حركة أحمد الخطيب

تدمير الدامور

هاجس الجنوب عشية 1975

حرب 1967 وبدايات المتاعب

العودة إلى العزلة

بعد الانسحاب من منطقة شرق صيدا وجزين أكمل الإسرائيليون انسحابهم من الجنوب ليتركوا منطقة النبطية ثم منطقة صور، وكان السوريون وحلفاءهم يحاولون الظهور دوما بمظهر المنتصر الذي أخرج إسرائيل بالقوة، ولذا فقد زادت محاولات تفجير العبوات على الطرق، وأصبحت الهجمات الانتحارية شعار هذه المرحلة وقد تبنى حزب الله أغلبها، مع أن القوميون والشيوعيون حاولوا دخول هذا الصنف الجديد من "الدعاية" ولكنهم لم يستطيعوا أن يجاروا حزب الله الذي أطلقها "مقاومة إسلامية" فحيدهم وأبعدهم عن الساحة ليقطف وحده ثمار "السلاح الإيراني" ويتفرد بالتبجح بأنه القادر الوحيد وبالتالي المنتصر الأوحد.

لم يستطع جيش لبنان الجنوبي، في هذا الظرف الذي يسود الساحة الجنوبية من الأحادية السياسية الراديكالية والهيمنة العسكرية الفئوية التي فرضها حزب الله، وبنفس الوقت غياب الدولة التي كان من المفترض أن تأخذ دورها في حماية اللبنانيين بعد خروج عرفات وسلاحه، إلا قرار البقاء والحفاظ على أمن المواطنين في المناطق التي كان السكان يشعرون فيها بأنهم مهددون، فمن غير الممكن أن يترك هؤلاء لمصير مجهول تتحكم به عصابات ما يسمى بالثورة الإسلامية المنادية بجمهورية على الطريقة الإيرانية.

هكذا إذا، وإضافة إلى ما كان يشكل "لبنان الحر"، حيث انتمى أغلب عناصره، أبقى جيش لبنان الجنوبي على جبل الريحان، وهي المدخل الجنوبي لمنطقة جزين التي فرض عليه الدفاع عنها كما ورد سابقا. وكان سكان العيشية، التي تهجرت في 1976، العنصر الأساسي للدفاع عن هذه المنطقة. أما في البقاع الغربي فقد كان عناصر ثكنة كفريا طلبوا البقاء في مشغرا للحفاظ على منطقتهم والتواصل مع جيش لبنان الجنوبي ولكن نصيحة أو ضغطا من بيروت، على ما يبدو، جعلهم يتراجعون في اللحظة الأخيرة عن المشروع ليعود جيش لبنان الجنوبي ويسحب التجهيزات والأسلحة من ثكنة مشغرا في ليلة واحدة، وتصبح مشغرا وعين التينة وميفدون قواعد لحزب الله وامتدادا لبعلبك التي تفصلها عنهم مسافات ومناطق مختلفة مسيحية ودرزية وسنية.

هذا الانسحاب البسيط من مشغرا والذي لم يدخل في حسابات القوى سيكون له تأثيرا كبيرا على مصير البلاد ومستقبل حزب الله، فبدل أن يبقى هذا الحزب محصورا في بعلبك وبعض الضاحية الجنوبية وتسيطر القوى الأكثر اعتدالا على المناطق الشيعية الأخرى، ها هو يمد سيطرته إلى جنوب البقاع، بمساعدة السوريين بالطبع، وبغياب قوى مناهضة، وينطلق من هناك باتجاه الجنوب. وبدل أن يشجع الاعتدال ويعمل على التفاهم وانتشار الدولة لتجمع المناطق، تقوم سوريا بمنع التفاهم وفرض التقاتل من جديد في كل المناطق.

كان التغيير في السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان بدأ يظهر، كما قلنا، منذ أن رفض الرئيس الجميل إبرام اتفاق السابع عشر من أيار وما تبع ذلك من النتائج السلبية في العلاقة بين الدولتين. أما من الناحية العملية فقد كان أنشئ في إسرائيل "مكتب تنسيق الأنشطة الإسرائيلية قي لبنان" التابع لوزارة الدفاع لمتابعة كل ما يتعلق بالملف اللبناني، وقد عين رئيسا له السفير أوري لوبراني، الذي كان شغل منصب سفير إسرائيل في إيران أيام حكم الشاه، وهو يعتبر من الشخصيات الإسرائيلية التي سيكون لها دورا مهما في المرحلة المقبلة فيما يتعلق بلبنان. وقد كان للسيد لوبراني معرفة خاصة باللبنانيين فهو نشأ في مدينة حيفا حيث كانت تقطن جالية لبنانية كبيرة خاصة قبل 1948، وكان لوالده الطبيب علاقة عمل مع بعض اللبنانيين قبل أحداث فلسطين وقد ربطته بهم صداقة واحترام ما جعلهم يقومون بحمايته من جماعات الثوار العرب ويمنعون عنه الأذى يوم حاول هؤلاء قتله. ومن جهة ثانية فقد ساهمت مهمته كسفير لإسرائيل في إيران بتعرفه على الشيعة وخصوصياتهم. ويوم وقع سوء التفاهم، كي لا نقول الخلاف، مع المسيحيين في لبنان، طرحت عدة حلول لمستقبل العلاقة مع الجار الشمالي تركزت في أكثرها على أن الطائفة الشيعية هي التي تشكل الجار القريب في النسيج  اللبناني، وعليه فإنه يجدر بإسرائيل أخذ ذلك بالحسبان، وقد يكون هذا بالذات ما دفع لاختيار السيد لوبراني لشغل المنصب بسبب معرفته بالشيعة من خلال تجربته الإيرانية.

. وبالفعل بدأ التقرب من حركة أمل أكثر فأكثر، وزادت الاتصالات بالشخصيات الشيعية في المناطق الجنوبية، وقد جرت محاولات للتشجيع على إنشاء وحدات عسكرية شيعية، منها مجموعة أنصار وغيرها، بينما استمرت العلاقات مع الدروز بواسطة مكتب التنسيق الذي أنشأه السيد جنيلاط وضم شخصيات من المنظورين في الطائفة والحزب وكان بعضهم يقوم بزيارة إسرائيل بشكل منتظم وعلني. وفور تسلم حبيقة قيادة القوات قام بفتح مكتب تنسيق في القدس كان يديره السيد بيار يزبك، وقد قام هذا المكتب بمهمة سفارة لبنانية في إسرائيل. ولكن سوريا التي التزمت تكملة القضاء على عرفات وثورته والتي نقلت المعركة إلى طرابلس للقضاء على تحالف شعبان- عرفات كانت بالمرصاد لكل هذه التحركات، وقامت بالسيطرة الفعلية من الشمال باتجاه الجنوب، هذه المرة، والقبض على الشارع اللبناني مجددا بدءا بالشارع السني في طرابلس، ثم ما لبثت أن استعملت حركة أمل واللواء السادس في معركة بيروت ضد جنبلاط من جهة (معركة العلم) وبقايا عرفات من جهة ثانية (حرب المخيمات)، ولم تقم فقط بتهديد القيادات الشيعية من مغبة العمل مع إسرائيل بل قامت بدعم مطلق لحزب الله ليكون الأداة التي تقف بوجه أي توجه نحو إسرائيل وهو الذي كان أساس عناصره وقادته من منطقة البقاع حيث السيطرة السورية والذي يشرف عليه الإيرانيون بشكل مباشر.

وهكذا ما أن انسحب الإسرائيليون من منطقة النبطية وصور حتى بدأت الاغتيالات برموز الشيعة الذين كانت لهم علاقة معهم، فتم اغتيال حيدر الدايخ مسؤول أمل في جويا والذي كان رمزا للتعاون مع الرائد حداد والإسرائيليين فيما بعد، واغتيل بعده حسن هاشم في منطقة القليلة ثم تمت تصفية داوود داوود في خلدة وهو عائد من بيروت إلى صور ما جعل الخائفين من الشيعة يهربون إلى الأمام لينضموا إلى حزب الله بينما يفضل غيرهم، كرياض العبد الله ابن الخيام وآخرين، التحالف مع جيش لبنان الجنوبي وينسحبون باتجاه المناطق الحدودية.

وبالرغم من تنفيذ حركة أمل التزام الأسد بالقضاء على بقايا عرفات في حرب المخيمات حيث ، فإن الخيار السوري في الجنوب بقي حزب الله.

صعد حزب الله عمليات التفجير "الانتحارية" وخاصة على مداخل المنطقة الحدودية ما جعل قيادة المنطقة تتشدد في عملية تفتيش السيارات الداخلة وتقلل من عدد التصاريح من أجل حماية الناس، ما أدى سريعا إلى عزل المنطقة التي كانت قد هللت عندما فتحت الطرق في 1982 لتعود إلى الانغلاق والانعزال داخل جدران مصطنعة تقطع الاتصال بين المواطنين وأهلهم في الشمال. وتكبر الهوة التي أخذت تتسع مع مرور الأيام، وها هي طرق بيت ياحون وكفرتبنيت والبياضة تصبح طرقا خطرة ما يجعل المسيحيين والدروز يتوجهون إلى بيروت عبر الشوف أو البحر.

كانت تجربة البحر من الجية إلى بيروت قد عززت الرأي القائل بالاستغناء عن طرق البر واستعمال طريق آمن ولو أصعب للوصول إلى بيروت وتنمية العلاقة مع قلب لبنان، فقد رفض الجنوبيون قطعا أن يحرموا من التواصل مع أهلهم في المناطق الشرقية، وحلموا دوما باستنباط طرق تؤمن هذا التواصل. وهكذا فقد قرر الجنرال لحد إنشاء مرفأ في الناقورة يستطيع استقبال سفن متوسطة الحجم لنقل الركاب والبضائع من وإلى بيروت. وبالفعل بدأ العمل في المرفأ وبنفس الوقت استقبال زوارق وعبارات لنقل الركاب وبعض البضائع ومن ثم سفنا أكبر بدأت ترسو في الميناء كلما توسع وتحسن وضعه.

وتبدأ سلسلة جديدة من المعاناة فبالرغم من أن هذه السفن أو الزوارق كانت تنطلق من الحوض الخامس في بيروت وترسو في ميناء الناقورة وهما نقطتان تعتبران داخليتين، أي ضمن مناطق "صديقة" (أو حليفة)، إلا أن المسافرين لم يشعروا مرة بسهولة السفر ولا بحرارة الترحاب إن في الطريق إلى الناقورة أو بيروت، ويعود ذلك ربما إلى الحالة العامة في المنطقتين وفي البلد ككل حيث لم يكن هناك استقرار فعلي وكان الخوف من التخريب هاجس الجميع. وقد كانت البحرية الإسرائيلية من جهة، والإجراءات الأمنية في الميناءين من جهة ثانية، تزيد من مدة الانتظار الممل والمضني أحيانا، عدى عن مشاكل البحر وعدم صلاحية السفن المستعملة.  وبدل أن يتطور الخط البحري ليصبح وسيلة نقل مريحة وحضارية ترتفع بأبناء المنطقة (الواحدة) إلى مستوى أعلى من التعاون حيث يصبح التنقل والتبادل التجاري والاجتماعي حالة طبيعية وضرورة يومية، ينحصر هذا الخط في زورق يمكن أن يتسع لخمسة عشر شخصا كان ينقل 150 على الأقل، وسفينة شحن صغيرة تنقل بضائع بعض التجار إلى بيروت الشرقية ومنها، أحيانا، وتأخذ معها بعض الركاب بشكل يكاد لا يليق بالإنسان في القرن العشرين.   


شرق صيدا وجزين

كانت التطورات المتلاحقة تنعكس على الساحة المسيحية في الجنوب فقد كلف عدم التنسيق مع الإسرائيليين ورفض الاتفاق معهم حول الانسحاب إلى خسارة الشوف والشحار وبيروت الغربية، بينما يصر هؤلاء على تسريع انسحابهم حتى الحدود بدون الأخذ بعين الاعتبار ما ستؤول إليه الأمور. ويشعر الأهالي في الجنوب بأن عليهم أن يغيروا الوضع فينشأ "التجمع المسيحي الحر" الذي يسعى إلى طرح تعاون وتفاهم مع الجار الإسرائيلي. ويقام مهرجان شعبي في مدينة جزين يتناول فيه الخطباء ضرورة التعاون بين لبنان وجاره الجنوبي.

تلاحقت الأحداث بسرعة أدت إلى تدهور الوضع في الجنوب، فبعد سقوط منطقة الشحار الغربي وانسحاب الإسرائيليين من صيدا شكل الجيش اللبناني اللواء الثاني عشر الذي سينتشر في منطقة إقليم الخروب وشرق صيدا لفرض النظام ومنع التقاتل، كما حدث في الشوف. ولكن ما أن انسحب الإسرائيليون من صيدا حتى انفجرت عبوة ناسفة أدت إلى إصابة السيد مصطفى معروف سعد بشكل مباشر وبجروح بالغة أدت إلى فقدانه البصر. وكان السيد سعد يعتبر من رجال صيدا القادرين على ضبط الأمور، وهو ابن المغفور له النائب السابق معروف سعد الذي كان اغتيل في صيدا أثناء مظاهرة قام بها صيادو الأسماك ضد شركة "بروتيين"، وهي شركة مساهمة كانت أنشئت لتنظيم صيد الأسماك على السواحل اللبنانية بالطرق الحديثة، وقد كان السيد معروف سعد شارك في تلك المظاهرة يومها لمنع استغلالها من قبل الفلسطينيين وتحويلها، كالعادة، مناسبة للإخلال بالأمن ودب الفوضى في المدينة، وقيل أن الرصاصة التي اغتالت المرحوم معروف سعد انطلقت من أحد عناصر منظمة الصاعقة الفلسطينية التابعة لسوريا والذي كان يسير بقربه، وقد أدى اغتياله بالفعل لفوضى عارمة كانت إحدى شرارات الأحداث المؤلمة. وكان السيد مصطفى سعد قد واجه السوريين في 1976 يوم حاولوا الدخول إلى صيدا حيث أصيب عدد من الدبابات السورية في منطقة القناية، ويقول البعض بأن السوريين لم ينسوا له ذلك، ولكن من الطبيعي أن يحول الغضب بعد انفجار العبوة نحو الجار المسيحي. ويبدأ مسلسل جديد من التهجير، فجيش لبنان الجنوبي، كما قلنا، كان قد انسحب من ضواحي صيدا باتجاه جزين، بينما قبلت القوات اللبنانية بنشر الجيش اللبناني فسحبت قواتها من المنطقة بناء على ذلك ليبقى الأهالي متأملين بالجيش، ولكن اللواء الثاني عشر الذي كانت غالبيته من السنة والذي كان من المفروض أن يحميهم، سرعان ما تحول إلى ميليشيا مع قدوم أفواج حزب الله وجماعة شعبان الطرابلسية السنية لينضم الجميع إلى جماهير الغاضبين في صيدا وينطلق هذا المد نحو القرى المسيحية في شرق صيدا.

كان الإسرائيليون قد اعتمدوا قرارا بالانسحاب حتى الحدود والإبقاء على ما سموه حزاما أمنيا لا يزيد عمقا عن الخمسة كيلومترات لمنع الاقتراب من هذه الحدود، ولكنهم في هذه الأثناء كانوا لا يزالون في انسحابهم التدريجي يرابطون بين عرمتى وكفرحونة، بينما كان جيش لبنان الجنوبي يرابط في تلة المشنقة جنوب قرية أنان.

كانت أفواج الأهالي الخائفين تعبر من إقليم الخروب إلى منطقة جزين عبر جسر بسري بينما بدأت أفواج النازحين من قرى شرق صيدا بالتوافد إلى المنطقة، ولم يقف هؤلاء في جزين بل اندفعوا جنوبا باتجاه المنطقة الحدودية. هذا الوضع دفع بمسؤول جيش لبنان الجنوبي في جزين، وخاصة عندما رأى بأن ثكنة الجيش اللبناني في كفرفالوس تتعرض للسرقة إثر فرار عناصرها، إلى إرسال مجموعة من جنوده إلى منطقة كفرفالوس لمنع التعدي على الثكنة. وكان الأهالي الهاربين يتحدثون عن اقتراب المهاجمين. في هذا الوقت، وبعد تدارس الوضع، وعلى ضوء المعلومات الواردة، وللإبقاء على معنويات الجيش، أتخذ الجنرال لحد قرارا بالصمود في المنطقة ومواجهة هؤلاء المخربين مهما كلف الأمر.

في الساعة الثانية بعد الظهر اتصل أسامة سعد شقيق مصطفى وقائد مجموعة صيدا، بالنائب السابق المرحوم جان عزيز، وهو أحد زعماء جزين الذين لهم وزنهم، ليجس النبض ويفهم منه الوضع، فما كان من عزيز إلا أن أنبه على الأعمال التي يقومون بها وقال له أننا قد نتفهم توجهكم نحو عبرا حيث يملك بعض أبناء صيدا عقارات أو مصالح، ولكن ما شأنكم والقرى البعيدة عن صيدا مثل مجدليون والصالحية ولبعا وعين المير، وهذه لم تكن مرة إلا واحات تعاون ولقاء بين أبناء المنطقة، ثم حذره في الوقت عينه من التعرض لجيش لبنان الجنوبي والجنرال لحد، كون هذا الأخير رجلا عسكريا مشهودا له وهو يقود جيشا منظما يستند لوجستيا على الإسرائيليين.

في الساعة الرابعة من عصر ذلك اليوم قامت مجموعات المخربين بالهجوم على أحد المراكز المتقدمة لجيش لبنان الجنوبي، ما أدى إلى هجوم مضاد فوري من قبل هذا الجيش ترافق بسد من نيران المدفعية أنزل بالمهاجمين خسائر كبيرة وأجبرهم على التراجع لتصبح كفرفالوس خط التماس بين جيش لبنان الجنوبي ومجموعات التخريب هذه.

وتستقبل القرى المسيحية في المنطقة الحدودية أفواج الأهل النازحين من شرق صيدا وإقليم الخروب، وتفتح أبواب البيوت والقلوب كي لا يشعر هؤلاء بقساوة الأيام وبثقل التهجير، فلم يعد ما يحل بالمسيحيين ردة فعل عفوية، إنما مشاريع اقتلاع يراد منها تغيير وجه لبنان وإفراغه من أبنائه البررة الذين دفعوا الغالي والرخيص ليبقوا أحرار في بلدهم.

ويشعر المسيحيون في كل لبنان بالوضع، فهل إن المسيحيين يعاقبون بالجملة عن أخطاء الغير؟ أم أن اللبنانيين لم يعودوا قادرين على العيش المشترك والتعاون فيما بينهم؟ أم أنهم فعلا بدأوا يعملون على تقسيم المناطق وفرزها؛ وها الدروز قد فرزوا الشوف إقطاعية جديدة لهم، وها الشيعة يطالبون بجمهورية إسلامية شيعية على الطراز الإيراني وقد حققوا جزءا منها في بعلبك والضاحية، وها السنة جماعة شعبان يقتطعون دويلة في طرابلس ويريدون مثلها في صيدا، فهل يجب أن يحارب المسيحيون في الشرقية ويكتفون بها فيهجرون كل المناطق التي رووها بالعرق والجهد والدم وقد احتضنت تراب الآباء والأجداد وعمل السنين الطوال. ولم تكن استطاعت، حتى حروب الفلسطينيين، على اقتلاع مسيحيي شرق صيدا وإقليم الخروب من أرضهم بالرغم من المجازر والجرائم التي جرت في الدامور وغيرها من الأماكن.

ويفهم قداسة الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني أهمية صمود جزين وبقاء أهلها، فيرسل مبعوثا خاصا هو المونسينيور بوهيغاز ليقيم فيها ويساند المسيحيين هناك ببعض الأمل والرجاء بأن الأمور لا بد أن تتحسن وأن المستقبل ليس دوما دماء وتهجير.

وتصمد منطقة جزين لتصبح رمزا لربط الجنوب بقلب لبنان ونقطة التقاء لمجموعاته الحضارية، ويعود الدروز الذين هجروا مسيحيي الشوف للعبور على حواجز المسيحيين في جزين في طريقهم إلى حاصبيا بينما يعبر المسيحيون الشوف إلى قلب لبنان بحماية المسلحين الدروز.

وتعطي وقفة جزين، جيش لبنان الجنوبي، رصيدا بين الأهالي في المنطقة، ويصبح أهلا للثقة، ورمزا للتعاون، ومحطا للآمال، فقد اتخذ قراره بالصمود منفردا، ولم يتحول تحت الضغط إلى مليشيا، لا بل أبقى على انضباطيته وتنظيمه، ولم يشارك في تقسيم الناس أو يسمح بأي نوع من التعدي على حرماتهم أو أملاكهم، لا بل كان تنوع جنوده وانتماءاتهم إلى كل فئات المجتمع الجنوبي، الذي لا يختلف عن لبنان، هو الضمانة وهو المثال الصالح الذي يوثق به في غابة الغرائز والعصبيات المنغلقة التي برزت في الطرف الآخر من الساحة اللبنانية.

كان الإسرائيليون قد حزموا أمرهم، كما قلنا، بشأن لبنان، ولم يعد يعني لهم التفاهم مع اللبنانيين شيئا، لا بل عادوا، كما بدا، إلى سياسة الغيتو المنعزل بعد أن كانوا حلموا بالانفتاح نحو اللبنانيين في التعاون مع "لبنان الحر" أولا ثم الحلم بالسلام مع كل لبنان في 1982 . وقد بدأت أصوات تعلو في إسرائيل، خاصة بين سياسيي الأحزاب اليسارية، أن لبنان ليس إلا مستنقعا من الوحول علينا أن نخرج منه في أسرع وقت وبأقل الخسائر. ولم يعنيهم جيش لبنان الجنوبي في تلك الفترة إلا بقدر مساهمته في منع التعدي على شمال إسرائيل. من هنا كانت ميزانية المساعدات التي تدفع لجيش لبنان الجنوبي لا تشمل منطقة جزين قطعا، ولا حتى رواتب العسكريين فيها.

كان على الجنرال لحد وقيادته أن يفكروا بالأمر، فتمويل كتيبة عسكرية لحماية منطقة جبلية كمنطقة جزين ليست بالشيء السهل إن من الناحية اللوجستية (تموين وذخائر ورواتب...) أو من ناحية المساندة والدعم، ولكن الانكفاء عن جزين يعني موتا لآمال الناس وثقة المواطنين في كل المنطقة من جهة، ومعنويات للطرف الآخر الذي يحاول الظهور بمظهر المنتصر وتوسيع تواجده والاندفاع باتجاه المنطقة الحدودية أكثر فاكثر. وقد كانت سوريا بعكس إسرائيل لديها مشروعا ومصالح في لبنان لا تريد التخلي عنها بأي ثمن، فهي عقائديا تريد ابتلاعه، وقد بدا ذلك أكثر قربا للتحقيق، وقد وجدت بمحاربة إسرائيل أفضل شعار لتوسيع تواجدها وسيطرتها بواسطة لبنانيين ودون أن تخرق الخطوط الحمر المرسومة لها.

وبينما أجهضت سوريا كل مشاريع الحوار التي كان بدأها الرئيس الجميل، قامت بمناورة جديدة لجعل القوات اللبنانية، التي كانت عدوها الأساسي، تدخل المفاوضات معها في مشروع تفاهم بين المليشيات اللبنانية المتحاربة تقوده سوريا بمنأى عن الحكم. ويعتقد البعض بأن خسارة شرق صيدا كان الدافع لتفاهم ايلي حبيقة مع سوريا، بينما يعتقد آخرون بأن التفاوض السري مع السوريين كان سابقا لخسارة شرق صيدا وما كانت تلك الخسارة إلا فاتورة على حساب هذا التفاهم.

ويكاد الاتفاق الثلاثي ينجح في خلق تفاهم بين المتحاربين بالشروط السورية، إلا أن تحركا داخل القوات يجهض هذا الاتفاق في عملية يقوم بها سمير جعجع ضد حبيقة ليقلب الطاولة على هذه المشاريع التي يعتبرها مقدمة لتسليم البلد لسوريا.

ويبدأ جعجع بتنظيم "المجتمع المسيحي" داخليا ولا يخجل من تسمية الأمور بأسمائها ويقرر البدء بتنظيم المليشيات أولا وجعلها جيشا منضبطا بكل معنى الكلمة، خاصة بعد سلسلة الانقلابات التي جرت في المنطقة الشرقية وما نتج عنها من عداوات وخسائر. ومن جملة التنظيم كان الاهتمام بالصندوق الوطني، الذي أصبح يؤدي عددا من الخدمات الاجتماعية، وقد ساهم هذا الصندوق بمساعدة الجنرال لحد في دفع جز من رواتب عسكريي منطقة جزين لمدة طويلة، ما ساعد مع ما كانت تؤمنه المنطقة الحدودية من مداخيل بتغطية هذا الجزء المهم من الميزانية.

ويزيد جيش لبنان الجنوبي تماسكا وانضباط في هذه المرحلة، ويشعر الإسرائيليون بأن هؤلاء اللبنانيين جادين بالدفاع عن منطقتهم وأمنهم وهم جديرين بالثقة وأهلا للتعاون معهم، ومن هنا تبقي قيادتهم بعض الوحدات في منطقة جبل الريحان كمساعدة منها لضبط الأمن على طريق جزين. 


حزب الله

بينما كانت سوريا تحشد كل إمكانياتها العسكرية والسياسية والإستخبراتية في معركة إعادة السيطرة على لبنان، كان الحرس الثوري الإيراني يقوم بتحضير الأرض لثورة شيعية من نوع آخر. فالقيادة الإيرانية كانت لها أهدافها في لبنان وهي التي كانت تواجه بكل عنف على الجبهة العراقية لوقف التمدد الفارسي باتجاه الخليج ومنع امتداد الثورة إلى شيعة العراق الذين يشكلون الأكثرية في بلد يحكمه حزب البعث العلماني، ظاهريا، ولكنه تشكل فعليا من قوى سنية متجانسة مع المحيط في الخليج وأكثرية الدول العربية. ولما كان الحكم العلوي في سوريا، الذي تخفى كزميله العراقي تحت مظلة البعث ليحمي حكم الأقلية العلوية، أقرب إلى المذهب الشيعي منه إلى السني - لا بل فقد كان الرئيس الأسد حاول، كما سبق وقلنا، أن ينال فتوى من الإمام موسى الصدر بأن العلويين هم جزء من الشيعة ليبقي على نوع من الشرعية لطائفته التي كان بعض الأئمة المسلمين كابن تيمية قد اعتبروها خارجة عن الدين ما سمح باضطهادها زمنا طويلا -  فقد كانت له مصلحة كبرى بالتقرب من حكم الأئمة الجديد في إيران والتحالف معه.

 كان الحكم في سوريا على خلاف مع زميله العقائدي في العراق، وها هو العراق يقاتل الإيرانيين، إذا فالتحالف مع إيران ضد النظام في العراق هو أول الأهداف لبعث الشام، لأنه إذا ما ضعف البعث في العراق فإن للبعث في الشام الأفضلية للسيطرة، بواسطة مجموعات بعثية، على العراق، بنفس الطريقة التي سيطر فيها على لبنان. فخلق الفوضى وعدم الاستقرار في العراق سيساعده على توظيف عدد أكبر من البعثيين في هذا البلد للعمل معه، سيما وإنه متحالف مع إيران ويمكنه أن يؤمن نوعا من الاستقرار بعد سقوط حكم البعث العراقي، وهو بواسطة هؤلاء البعثيين العراقيين، وبعد سقوط صدام، المنتظر، إثر الهجوم الإيراني، سيصبح المنقذ للعراق وسيؤمن ولاء العراقيين له وبنفس الوقت يكون قد حقق حلم البعث بالسيطرة على لبنان وسوريا والعراق ولا يبقى له إلا فلسطين والأردن، بينما يصبح نظام صدام هو نظام المغامر الذي خسر البلد.

من جهة ثانية كانت إعادة السيطرة على لبنان هي من أهم أهداف هذا النظام، وإذ رأى أن الشيعة، الذين شكلوا وقود الحرب على أكثر الجبهات التي أحدثها منذ 1976، قد استقبلوا الإسرائيليين كمنقذ من السيطرة الفلسطينية، وها هي حركة أمل تنسق أمنيا مع الإسرائيليين، لا بل يلتحق عناصرها بجيش لبنان الجنوبي بقيادة الجنرال لحد، كان لا بد له من خرق هذا التفاهم والقيام بهجومه المضاد في هذا الاتجاه.

وبالرغم من أن نظام البعث في سوريا كان يحاول أن يقدم نفسه على أنه علمانيا، وقد ضرب الحرك&#