|
رسالة
إلى المسيحيين
الكاتب
انطوان نجم
المقدمة
في
الأزمات لا بد من وقفات تأملية تبحث في ما جرى ويجري. تحلل. تستكشف.
تقوم. تستعرض المسافة التي قطعت. تصحح المسار وترسي قواعد عمل مستقبلية.
في هذا
المجال، وبعد هذه السنوات من المقاومة المسيحية والتي كان فيها صعود
وهبوط، نجاح وفشل، أيام خيبة، عندنا الكثير الكثير مما ينبغي الوقوف عنده
وقوله.
ولكن
علينا في مثل ظروفنا القائمة، بنوع خاص، العودة إلى النظر في أسس المشكلة
والتركيز عليها، اولا ً كي لا ننسى، وثانيا ً لأنها المنطلق الذي بدونه
لا تشخيص صحيحا ً لواقعنا ولا رؤيا صالحة لمستقبلنا .
وأس
الأساس لهذه الرؤيا هو أن نبقى. وأن نبقى مسيحيين أحرار في وطننا لبنان،
لا في مكان آخر. وأن تبقى المسيحية في هذا الشرق، ومن خلالنا، " دائما ً
حرة، سيدة، أمينة على تراثها ومصيرها ".
وأس
الأساس ألا نضيع في غيرنا. ألا نذوب .
إننا نؤمن
مع شارل مالك بأنه لا يجوز أن " تسحق ( اي اقلية ) او تصهر او تكبت او
تزول ". وبأنه " إذا سقطت المسيحية الحرة في لبنان – ولبنان آخر معقل لها
في الشرق – أنتهى أمرها في الشرق الأوسط كله، بل في آسيا وافريقيا ".
وإذ أوجه
هذه الرسالة إلى مواطني المسيحيين مقترحا ً هذه " الأفكار " فمن منطلق
الرغبة في المحافظة على ذاتنا وفي إنقاذ " الحرية الشخصية الكيانية
المسؤولة"، وتأمين التعايش السلمي بين المسيحيين والمسلمين على أسس
الحرية والمساواة والعدالة .
ما يأتي
في هذه الرسالة لا يستنفد كل ما ينبغي قوله في هذا المجال. إنما هو بعض
معالم في درب طويل محجته وصول كل ذي حق إلى حقه.
لذا أتمنى
أن يتناولها كل مهتم بالشأن العام، فيوسعها نقدا ً ونقاشا ً وبحثا ً.
فنتآزر في تغذيتها من خلال ما سيقال فيها وعنها، ومن ثم في استخلاص ما
يساعدنا على بلورة تصور يرسي حياتنا على قواعد الحرية والسلام والصدق
والتآلف والتعاضد والإستقرار .
في مطلع
الخمسينات، تسنى لي في مدينة طرابلس إلتقاء ميشال عفلق، مؤسس حزب البعث
العربي – وكان يومذاك لا يزال مسيحيا ً – لأسمع منه عرضا ً لنظريته في
القومية العربية. فوجدت نفسي، انا المسيحي، أناقش مسيحيا ً آخر في مفهوم
انطلاقته ومحتواه ومرتجاه إسلامية صريحة .
وكذا
الأمر في فترات لاحقة اذ كنت ألتقي مسيحيين آخرين أعضاء في الحزب السوري
القومي الاجتماعي، أناقشهم في مفهوم طرح نفسه حلا ً وسطا ً بين نعرتين،
على ما يقول مؤسس الحزب، واحدة مسيحية وأخرى إسلامية ولكنه مفهوم أسلم في
نهاية الأمر .
وصودف في
نهاية الصيف من العام 1980 أن كنت، انا المسيحي الماروني، في وفد يمثل
القوات اللبنانية لمفاوضة وفد يمثل الزعيم الدرزي وليد جنبلاط تحت مظلة
السلطة اللبنانية. فكان ممثل الدروز، في اللقاءات الاولى، المسيحي
الماروني سمير فرنجية، وممثل السلطة المسيحي الماروني العقيد جوني عبده .
وفي
العام 1991، كنت عضوا ً في وفد من القوات اللبنانية، يحاور وفدا ً من
الحزب الشيوعي اللبناني، اعضاؤه كلهم مسيحيون .
وكاد لا
يبقى الا ان يوفد " حزب الله " مسيحيا ً ليحاور المسيحيين بأسم الحزب
ويفاوضهم. فتكتمل الحلقة . ويكون المسيحيون موزعين على جميع الاتجاهات
العقائدية والسياسية .
فهل لهذا
الواقع من تفسير ؟
أجل .
وحتى تفاسير .
أهمها
وأعمقها أن هؤلاء المسيحيين، وسواهم بلأمس واليوم، من أمثال مكرم عبيد
باشا وبطرس بطرس غالي في مصر، وطارق حنا عزيز في العراق، وفارس الخوري في
سوريا، وسليمان البستاني في الحكومة العثمانية ( وهم على سبيل المثال
فحسب ) تصرفوا ويتصرفون بدافع عقدة الشعور الاقلوي. ذلك الشعور
الإنهزامي، الإستسلامى، الإنسياقي، المساير الذي طالما دفع بالاقلويين
إلى المزايدة على الأكثرية لأسباب تتراوح بين حدين: الخلفية الوصولية
وشعور بالإطمئنان أكبر، مرورا ً بالمصالح الإقتصادية والإنتفاعية المالية
المباشرة. علما ً بأن الشعور الاقلوي، بحد ذاته، قد يكون حافزا ً لوعي
الذات وإنماء قدراتها، ومؤججا ً لغريزة البقاء، فدافعا ً للمقاومة
والمواجهة بشجاعة.
وكان تفشي
عقدة الشعور الاقلوي بالقدر الذي أخذ فيه المسيحيون يلمسون تأثير محيطهم
عليهم، سلبا ً وايجابا ً. فوعوا تشعبية حضورهم الجيو – سياسي في هذه
المنطقة من العالم. هذا الوعي جعلهم يعمقون أمرا ً واحدا ً في ما بينهم،
من جهة، ويتفرقون، من جهة أخرى. أجمعوا على المعاناة والهواجس والتفتيش
عن حل يحترم وجودهم وحريتهم وكرامتهم. وأفترقوا في الحلول المرتجاة.
أتفقوا على فكرة الهدف. وأختلفوا على تصور الوسيلة. ولا يزال الآمر على
حاله منذ مئة عام ونيف. وقد أتخذ السبل التالية .
اولا ً – العروبة والقومية العربية
إبتداء من
الثمانينات من القرن الماضي اعتقد بعض المثقفين من المسيحيين أن تحقيق ما
يصبون اليه يتم عن طريق " عروبة علمانية "، تحررهم من الحكم العثماني
وتقيم المساواة بينهم وبين المسلمين. وعبر عن أفكارهم على نحو واضح نجيب
العازوري في قوله :" وبهذا التدبير تكون قد حات المعضلة الكبرى، أعني فصل
الدين الاسلامي عن الدولة المدنية ويكون في هذا الحل خير لجميع الفرقاء "
(1) .
لكن صدمة
انهيار الامبراطورية العثمانية وتهافت المسلمين على العروبة أبرزا وجهها
الصحيح ومضمونها الحقيقي ولونها الأصيل. فإذا هي إسلامية الشكل والمضمون
والرؤيا .
ولا يجوز
أن نخلط بين هذا المفهوم والقول بأن " الاسلام هو العروبة، والعروبة هي
الإسلام ". الإسلام، على أنه دين، يتخطى اي تيار سياسي ووطني محدد. فما
من تيار سياسي يستوعب الإسلام، على انه كل، ويشمل مسلمي العالم أجمع (
الأدنى لا يستوعب الأعلى ). لذا لا بد من الاشارة هنا، ولو سريعا ً، إلى
أن الدين الإسلامي لا يلزم المسلمين جميعا ً في كل أقطار العالم بانشاء
دولة واحدة لهم. الإسلام يلزمهم بالتعاضد العميق ( " إنما المؤمنون أخوة
") وبأن تسوس الشريعة مجتمع المسلمين وأن يكون الإسلام هو النظام السياسي
لهذا المجتمع، أيا ً كان حجمه ومداه .
أما لماذا
تشكل " الوحدة العربية " مطلبا ً إسلاميا ً وهدفا ً أساسيا ً للاسلام
السياسي عندنا ( 2 ) وفي الدول العربية الإسلامية فلأن الحنين إلى الوحدة
هو ثابتة في الخلفية الواعية واللاواعية عند المسلمين العرب، بصرف النظر
عن "الشكل" الذي يمكن أن تتخذه هذه الوحدة. فهي اليوم تستعير مفهوم
الدولة العصرية، بينما في السابق أخذت مفهوم الخلافة او الاستمرارية في
الحكم لعائلة حاكمة معينة .
وتأكدت
إسلامية العروبة على نحو مضطرد حتى أيامنا. وافضل من عبر عن هذه الحقيقة،
على سبيل المثل فحسب، ثلاثة : مسيحي سابق، ومسيحي قلق، ومسلم سني من أقرب
القوميين العرب إلى الطروحات غير المتشنجة .
المسيحي
السابق هو ميشال عفلق. فقد رأى في " العروبة جسما ً روحه الإسلام " (3) و
أن قوة الإسلام قد بعثت وظهرت بمظهر جديد هو القومية العربية " (4) .
وكان عفلق منطقيا ً مع نفسه ومخلصا ً مع عروبته حين أشهر إسلامه فاذا هو
أنموذج للعروبي الخالص .
أما
المسيحي القلق فهو المصري غالي شكري الذي علق على إشهار عفلق إسلامه
بتساؤل :" هل مات "الأستاذ" بعد ان أكمل دينه القومي؟ وهل غادرنا ميشال
عفلق وهو يقول للمسيحيين العرب : لستم عربا ً حتى تسلموا ؟ "(5). وقد
عنون شكري غالي مقالته التي أخذنا منها هذا النص بالتالي :" المسيحيون
والعروبة : من يدفع الثمن ؟". وهو عنوان حري بالتأمل .
والمسلم
السني هو منح الصلح. لنقرأه يقول :" فالقومية العربية مثلا ً لم تنشأ
بالاصل لتقوض ما كان سائدا ً من حكم إسلامي او من دولة عثمانية كانت تمثل
في حينها وحدة المسلمين. بل ان القومية العربية برزت تاريخيا ً بعد فشل
الدولة العثمانية .
ونشأت
القومية العربية لتحمل نفس الراية التي حملها الإسلام من قبل وهي راية
جمع المنطقة والحفاظ على طابعها الحضاري وقيمها وأديانها ورد الاعتداء
عليها. فالعروبة هي محاولة أخرى بعد انتكاس المحاولة الإسلامية التي
مثلتها الدولة العثمانية . والذين حاولوا أن يصوروا العروبة كعدو للاسلام
مخطئون. كما ان الذين أرادوا اعطاء العروبة مفهوما ً معاديا ً للاسلام،
وللدين بشكل عام، أضروا بالعروبة سواء عن تآمر او عن جهل. فالقراءة
التراكمية – التعاقبية للدين والقومية هي القراءة التي أومن بها وأعتقد
أن أكبر إسفين يمكن أن يدق بين الجماهير وبين الطلائع هو الزعم بأن
الطلائع عروبية وبأن الجماهير إسلامية وبأنه ليس هناك من مجال في
المصالحة او التفاهم بين إسلام الجماهير وعروبة الطلائع "(6) وكان منح
الصلح، قبل ذلك بثماني سنوات، وفي معرض كلامه على إسلام الحاكم واسلام
الجماهير، قد أكد على " العلاقة الخاصة والحميمة " بين الإسلام والقومية
العربية (7).
وشهد شاهد
من أهله، عندما قال الدكتور محمد علي مكي :" إن المسيحيين أرادوها اي
(العروبة) علمانية، بينما أخذها المسلمون عروبة إسلامية "(8) . وكأنما
وديع البستاني يعبر عن تلك المرارة وذلك الفشل اللذين اعتمرا قلوب
العروبيين المسيحيين بقوله :
هذي جناية حر لم يدر كيف جناها
غنى العروبة عمرا ً وعاش حتى رثاها
ثانيا ً – لبنان الكبير والقومية اللبنانية
بموازاة
العمل للعروبة وعلى أنقاضها معا ً، نجح مسيحيون من لبنان، وفي مقدمهم
موارنته، في خلق دولة لبنان الكبير في العام 1920.
ومع
الوقت، أكتسب المؤمنون بالكيان اللبناني الجديد صفة القوميين اللبنانيين،
خصوصا ً في مناهضتهم لقوميتين تناقضانهم هما : القومية العربية والقومية
السورية .
وأعتقد
القوميون اللبنانيون – او بعضهم، على الأقل – أن مشكلة المسيحيين
اللبنانيين حلت على نحو نهائي. فالدولة المعلنة لا يمكنها، بفعل تكوينها
ونشوئها، أن تكون دينية إسلامية. وحقوق المسيحيين فيها حقوق مواطنين
كاملي المواطنية. وجاء رفض المسلمين العام للكيان الجديد واستنكافهم عن
المشاركة في وضع الدستور في العام 1926، وابتعادهم عن الوظائف الحكومية،
ووقوفهم موقف العداء تجاه الانتداب، لتسمح للمسيحين بأن تكون لهم الحصة
الكبيرة في وظائف الدولة وادارتها وسياستها .
ومع ذلك،
لم ينتفِ القلق. لا بل أخذ يزداد مع التغيير في موازين المعادلة الطائفية
ونجاح العرب في التدخل صراحة وجهارا ً في شؤون لبنان .
فمنذ
العام 1920 وحتى الميثاق الوطني في العام 1943، كان التوتر على أشده بين
مجموعتى لبنان. ففي مواجهة مؤتمر دمشق في العام 1929 ومؤتمري الساحل في
العامين 1933و 1936، وتأسيس الحزب السوري القومي في العام 1932 وانشاء"
عصبة العمل القومي" العروبية في العام 1933، ومنظمة النجادة في العام
1936، تأسست حركات قومية لبنانية من مثل السباقة اللبنانية والوحدة
اللبنانية والكتائب اللبنانية، فضلا ً عن انتشار التيار اللبناني المسيحي
العارم الممثل بالسياسي الكبير اميل اده. وجوبه وشوك وصول الشيخ محمد
الجسر إلى رئاسة الجمهورية في العام 1934 بحل مجلس النواب وتعليق
الدستور. وجاء بيان مسيو فيينو (9) الذي حصل عليه الرئيس إميل اده من
رحلته إلى باريس ليقطع الطريق على أي بتر جغرافي للبنان .
وبعد
المثاق الوطني وارساء صيغة 1943 على ما صارت اليه؟، بقي المسيحيون خائفين
على الكيان اللبناني الذي هددته محاولات الوحدة الاقتصادية مع سوريا في
مطلع الخمسينات، وأحداث 1958، وقيام " الدويلة " الفلسطينية في داخل دولة
لبنان، ونشوء التنظيمات الإسلامية الأصولية المسلحة بدعم من الجمهورية
الإسلامية في إيران، وأخيرا ً لا آخرا ً، استمرار سوريا في سعيها الحثيث
لضم لبنان اليها .
واذا شئنا
أن نلخص تجربة المسيحيين بعد دعوتهم إلى القومية اللبنانية وتجسيدها في
نظام حكم ذي خلفية إنصهارية تذويبية أقامته صيغة 43، قلنا إن المسيحيين
لم يحققوا ما كانوايصبون اليه. ولم ينجحوا في تحقيق الهدف المعلن من
الصيغة وهو توحيد المجتمع اللبناني. ومشكلتهم لم تحل الا على نحو جزئي.
ذلك أن إيجابية الكيان اللبناني الأساسية تكمن في أنه حال دون حكم
الآكثرية الاقليمية مباشرة .
ثالثا ً – القومية السورية
وعى انطون
سعادة، مؤسس الحزب السوري القومي، بوضوح تام وضع المسيحيين في العالم
الإسلامي، وأحس حتى عمق أعماقه بمعاناتهم، وها هو يقول :" في الدولة
الدينية لم يكن للمسيحيين حق بل كانوا تحت الحماية – أهل ذمة – والمحمي
ليست له حقوق العضوية في الدولة الدينية، نفس الحقوق المدنية والسياسية "
(10).
ولحل هذه
المشكلة أطلق نظريته القومية. يقول :" فإذا كانت النعرة الفينيقية هي ال
THESE
والنعرة العربية هي ال ANTITHESE
او بالعكس، اي اذا كانت النعرتان الدينيتان تضعان نظريتين متعارضتين،
فمما لا شك فيه ان مبدأ وحدة الأمة السورية المؤلفة من سلالتين أساسيتين
مديترانية وآرية، من العناصر التي كونت في مجرى التاريخ المزاج السوري
والنفسي والعقلي، هو المبدأ الذي يقدم ال
SYNTHESE
او المخرج النظري من تعارض النظريتين، مذهبا ً واحدا ً هو القومية "
(11).
إننا لا
ننظر إلى هذا النص من زاوية ما يريد صاحبه أن يضع فيه من ديالكتيكية
مصطنعة، ولا من زاوية التساؤل كيف أن حدي منطق دينيين يولد نتيجة
علمانية، ولا من زاوية البحث في السلالات. إنما نشير إلى أن سعادة يبرز
عقيدته على انها "مخرج" يصهر " السوريين " جميعا ً في بوتقة مجتمعية
واحدة . فيتحقق، بنظره، هدف المسيحيين في المساواة، وتخيم،
بالتالي،الأخوة القومية على الجميع. فهل وصل سعادة إلى النتيجة التي رمى
اليها ؟
لم ينجح
سعادة قط في إقناع المسلمين بقوميته العلمانية . واكثر من ذلك . فقد
تنازل عن مبدإه الاساسي القائل بأنه " لا يمكن أن تتأسس دولة قومية
بالمعنى الصحيح على الدين " (12)، ليعود ويؤكد على وحدة أمته بوحدة
دينها، وليضع هذه الأمة الموحدة الدين بمواجهة أمة أخرى، هي اليهود، التي
تنتمي، نظريا ً وعلى حد قوله، إلى الدين نفسه (13)، ولكنها صاغته دينا ً
خاصا ً بها إلى درجة أنه أصبح خطرا ً على الأمة السورية وعلى دينها في آن
معا .
ففي رسالة
له إلى القوميين والأمة في 2 تشرين الثاني 1947 يقول سعادة :
" ليس من
سوري الا وهو مسلم لرب العالمين. فاتقوا الله واتركوا تأويل الحزبيات
الدينية العمياء. فقد جمعنا الإسلام: منا من أسلم لله بالانجيل ومنا من
أسلم لله بالقرآن ومنا من أسلم لله بالحكمة. فقد جمعنا الإسلام وأيد
كوننا أمة واحدة. فليس لنا من عدو يقاتلنا في ديننا ووطننا غير اليهود "
(14).
لننتبه
إلى هذه الجملة :" فقد جمعنا الاسلام وأيد كوننا أمة واحدة ". ففضلا ً
عما في هذا الكلام من تناقض واللاهوت وعلم الكلام .
وفضلا ً
عن وقوع سعادة في ما كان ينفيه على نحو مطلق وهو اعتبار الدين عنصرا ً من
عناصر الأمة، وها هو يجعله هنا مثبتا ً لوحدة الأمة وشاهدا ً لها .
ففي هذه
الجملة، بل في النص كله، إرتماء في حضن " الآكثرية " في المنطقة وانسياق
لها .
لقد
استسلم لها سعادة وتبنى تطلعاتها. واضطر السوريون القوميون الاجتماعيون،
في ما بعد، إلى الغرق اكثر فأكثر في عروبة يبدو أنها لم تعد " وهمية "
على ما كان سعادة ينعتها .
رابعا ً – الماركسية :
في العام
1924، أنشىء في لبنان وسوريا حزب شيوعي بهمة مسيحيين من أمثال اسكندر
الرياشي ويوسف ابراهيم يزبك ... واستمر الحزب بقيادة مسيحيين آخرين من
مثل فرج الله الحلو ونقولا شاوي وجورج حاوي .
الماركسية
– اللينينية التي يعتمدها كل حزب شيوعي تعتبر أن الوجود الحقيقي هو
الوجود الطبقي، والصراع الحقيقي هو الصراع الطبقي. هذا ما تعلمه المادية
التاريخية القائمة على المادية الديالكتيكية. والدين، الذي هو أفيون
الشعوب، لا يغطي حقيقة الصراع الطبقي .
لذا ضرب
الشيوعيون على نحو مستمر على هذا الوتر وعلى وتر محاربة الإمبريالية. أما
تأكيدهم على التحرر الوطني فكان يهدف ضرب الإستعمار والإمبريالية.
وتأييدهم لاستقلال لبنان وسوريا في مؤتمرهم الاول في أواخر 1943 – أوائل
1944 لم يكن تأييدا ً لمفهوم قومي معين بقدر ما كان " ضد كل سيطرة
إستعمارية أجنبية " (15). ذلك أن أمميتهم كانت تعتبر القومية مفهوما ً
برجوازيا مرفوضا ً. ولم يكونوا ليهتموا لواقع الانقسام الوطني على أساس
ديني. فالفلسفة الماركسية ترى أن التناقض الاساسى هو التناقض بين الطبقات
لا في شيء آخر، وترى الصراع الطبقي الطريق الوحيد لحل هذا التناقض. أما
نظرتهم العربية فكانت محصورة ب" تمتين روابط التضامن الأخوي بين لبنان
وسائر الأقطار العربية، وتطوير العلاقات الإقتصادية والثقافية بينه
وبينها "، على ما جاء في أحد البنود في الميثاق الوطني الذي أقره الحزب
في مؤتمره الاول (16).
وفي مجال
النقد الذاتي في ما بعد لمرحلة الاربعينات ومطلع الخمسينات ( 1939 – 1953
) (17)، أقر الحزب الشيوعي انه استصغر القضايا القومية وأهملها ولم
يفهمها بشكل موضوعي بسبب نظرته الدوغماتية للقضايا القومية (18) و "
اعتماد خط يساري إنعزالي في تطبيق شعارات الجبهة الوطنية " (19).
إنما منذ
العام 1956، اخذ الحزب يخرج من " إنعزاليته " بتبنيه شعار الوحدة
العربية. وفي مؤتمره الثاني في تموز 1968، إعترف الحزب ب " أن طموح
الجماهير العربية الواسعة إلى الوحدة هو وليد الواقع الموضوعي لتطور
العالم العربي وللروابط التاريخية بين مختلف أجزائه " (20) .
وتطورت
عروبة الحزب الشيوعي على نحو تصاعدي إلى درجة أنه في الوثيقة المطروحة
للنقاش تحضيرا ً لمؤتمره السادس، وفي عهد أمينه العام جورج حاوي، قال : "
دافع الحزب بحرارة عن " القضية القومية العربية " وأكد وجود " أمة عربية
" ذات امتداد تاريخي، وذات تراث حضاري وثقافي وروحي ... " (21). وفي
الوثيقة إياها يعترف الحزب الشيوعي ب " أن النضال من أجل الوحدة العربية
هو في مقدمة المهام النضالية التي تواجه كل شعوب الأمة العربية، وقواها
التقدمية، بما فيها شعبنا اللبناني وحزبنا الشيوعي "(22). وقالت الوثيقة
ايضا ً :" عروبة لبنان هي انتماؤه القومي العام ضمن حركة التحرر الوطني
العربية " (23). وقد أقر المؤتمر هذا التوجه على نحو نهائي .
إن من
يدرس بتمعن وثائق الحزب الشيوعي في مؤتمراته منذ المؤتمر الثاني يلاحظ
بكل سهولة أن الماركسية – اللينينية " اضطرت " إلى مناقضة أمميتها
الأصلية تحت ستار فهم جديد للأممية وللعلاقة بين الأممي والقومي، بغية
الدخول في وجدان " الأكثرية " في العالم الإسلامي العربي. أما معرفة مدى
النجاح في هذا الهدف او فشله، او النظر في صحة الأممية الماركسية من
أساسها، فذاك موضوع آخر.
إن
الماركسيين لم يذهبوا من أجل الانخراط في " الأكثرية " إلى حد الأسلمة
الدينية على ما فعل انطون سعادة . فقد اكتفوا بمجاراة التيار العروبي
الذي يفضي واقعا ً إلى الأسلمة الوطنية – السياسية، وتغاضوا عن الجانب
الديني الذي يحرك، أساسا ً، هذا التيار. لقد سعوا لاستيعاب المسلمين،
فاستوعبتهم الأكثرية الاسلامية .
إن في ما
آل اليه الماركسيون كل اليأس، ايضا ً، من جذب الأكثرية. لقد استسلم
الماركسيون اللبنانيون لهذه الأكثرية وتبنوا تطلعاتها .
خامسا ً – التيار العلماني اللبناني :
عمل
مسيحيون كثيرون على صعيد فردي من مثل المحامي عبدالله لحود والاب كبريال
مالك، او جماعي، من مثل حزب الكتائب اللبنانية (24) وحزب الكتلة الوطنية
اللبنانية (25) ونقابة المحامين في بيروت في مطلع الخمسينات، على إقرار
تشريعات علمانية تنهي في يقينهم، رويدا ً رويدا ً، الواقع الطائفي
السياسي في لبنان، وتزيل التصادمية في ما بين اللبنانيين، وترسي قواعد
العمل الوطني والسياسي على أسس المواطنية فحسب. إلا أن المسلمين جابهوا
هذه المحاولات جميعا ً بحزم وبقوة واعتبروها حربا ً ضروسا ً على الإسلام
والمسلمين .
فالمفتي
الشيخ حسن خالد أعلن أن " العلمنة تتنافى مع الإسلام ولذلك نحن نرفضها
بشدة " (26) . وقال : " نحن المسلمين في عقيدتنا نحارب العلمانية كما
نحارب الداعين لها إلى أي جهة انتموا " (27).
وهب "
مجلس العلماء في لبنان " يواجه المساعي للعلمنة ويتهم زعماء الدعوة إلى
العلمانية " بتذويب الشخصية الإسلامية في لبنان " و " التمهيد لافساد
الأصالة في الأجيال الإسلامية في العالم العربي المجاور لا في لبنان
فحسب" (28).
وكل مؤتمر
المنظمات الإسلامية الذي عقد في مكة من 6 إلى 11 نيسان 1974 أوصى برفض
فكرة العلمانية (29).
وجل ما
حصلت عليه نقابة المحامين في بيروت في العام 1951 إثر إضراب استمر بضعة
شهور صدور قانون للإرث لغير المحمديين.
إن
المحاولات العلمانية في لبنان والعالم الإسلامي لم تتقلص فحسب، بل ازدادت
فيها الحركات الأصولية على النحو الذي نشهد ونلمس بما فيها تركيا "
العلمانية ".
ولا
نستغربن ذلك . فالإسلام نظام كامل شامل تندرج شؤون الفرد والجماعة، وأمور
الدنيا والآخرة، ومسائل الجسد والروح، والنظام العام والحياة الشخصية،
وقضايا الأخلاق والقيم، واحكام كل مخلوق وعلاقته بالنظام الكوني. هو سنة
الله . " ولن تجد لسنة الله تبديلا. ولن تجد لسنة الله تحويلا ". (فاطر
43).
سادسا ً – الدعوة الفدرالية :
ان آخر ما
قدمه المسيحيون في لبنان هو الدعوة إلى الفدرالية .
في يقينهم
أن الفدرالية تزيل فتائل التصادم، وتعيد الأمن والهدوء والسلام إلى ربوع
الوطن، وتحقق المساواة التامة بين اللبنانيين . وفضلا ً عن ذلك فهي تسمح
للمسلمين تطبيق شريعتهم على النحو الممكن في داخل مجتمعاتهم، وللمسيحيين
إبعاد شبح الذمية عنهم . فيكون لكل من المجموعتين اللبنانيتين وجود ذاتي
حر وغير مهدد من ضمن الدولة اللبنانية الواحدة .
|