الموقع الرسمي 

 |  الرئيسة سياسة |  روابط | نشيد قومي | أرشيف | إتصل بنا |  

أهداف | بيانات  لغة  تاريخ  | ثقافة  |  صور |


Naji Naaman

An-Najiyyat

 

المؤلِّف

من مواليد حريصا (لبنان) في 19 أيَّار 1954. متأهِّل وله ثلاثة أولاد. صاحب دار نعمان للثقافة (1979)، يُصدر مجموعتَين من الدِّراسات الخاصَّة والمُتخصِّصَة ويُشرف على موسوعتَين. أنشأ، عامَ 1991، سلسلة "الثَّقافة بالمَجَّان" التي تُعنى بنَشر الأعمال الأدبيَّة بالمجَّان، كما أنشأ، عامَ 2002، سلسلةًً من الجوائز الأدبيَّة التي تحملُ اسمَه (جوائز ناجي نعمان الأدبيَّة) والتي توَّجَت أدباءَ وأديباتٍ من أربعة أصقاع العالم. له أكثر من 35 مؤلَّفاً وترجمة، وقد تُرجِمَ إلى عشرين لغةً. حائزٌ الجائزةَ الدَّوليَّة الكبرى للشِّعر من رومانيا عامَ 2002.

الكِتاب

"النَّاجِيَّات" هو عبارة عن مُقنَطَفاتٍ مُنتَخَبَة من أعمال المؤلِّف الأدبيَّة التَّالية: "الرَّسائل" (وتضمّ "خمس وعِشرون"، 1980، و"أنتِ والوطن"، 1981، إلى كتاباتٍ أخرى عديدة في طبعات 1995 و1996 و1999)؛ "المُنعَتِق"، 1997؛ "المُندَمِج" و"الذِكرى"، 1999؛ "الحالِم"، 2001؛ "الألِفياء"، 2002. وأمَّا آخرُ أعماله الأدبيَّة فـ "المُسالِم"، 2005. 


من

الرَّسائل

صاعِقَة

عندَما تَضْرِبُكَ الصَّاعِقَةُ على رأسِكَ،

لا تَنْتَظِرْ سَماعَ صَوتِ الرَّعد

1973

مُحاوِل

ألكُلُّ يَشْعُر، وما مِن شاعِر،

بَل مُحاوِل

1999

جَهْل

لا أحدَ يُدْرِكُ نَفْسي كما أُدْرِكُها،

وكَم أَجْهَلُ نَفْسي

1973

محبَّة

ألمحبَّةُ أن تذكرَ أبسطَ سوءٍ تُسبِّبُه للغَير

وتَنْسى أعظمَ سوءٍ يتسبَّبُه الغَيرُ لك

1997

يَراع

إنْ لَم يَفْعَلِ اليَراعُ، فعَبثاً يُحاوِلُ الحُسام

1993

نُبُوءة

كلُّ إنسانٍ نَبِيّ،

تَبْدَأُ الحَياةُ بِهِ، وتَنْتَهي

1988

سَعادة

إنْ نحنُ أَخَذْنا:

من الوَثَنيَّةِ، إحتِرامَ الأرضِ والأجداد،

ومن دياناتِ الشَّرق الأقصى، ألرُّوحانيَّة،

ومن اليَهوديَّةِ، ألرُّؤيا والثَّبات،

ومن المَسيحيَّةِ، ألمَحَبَّةَ والتَّسامُح،

ومن الإسلامِ، حَرارةَ الإيمان،

ومن العَلمانيَّةِ، ألتَّفَهُّمَ والانْفِتاح،

ومن الإنسانيَّةِ، ألسَّعْيَ للوِحدَة؛

إنْ نحنُ أَخَذْنا كلَّ هذا، من جميعِ تلك،

غَدَوْنا أسْعَدَ البَشَر

1990

***

 ألرُّؤيا

               ... وأَحَسَّ الشَّيخُ بساعة الاندِماج، فتَحَلَّقَ حَولَه ناسُه طالِبين نُصْحَه لمرَّة أخيرة.

               قالَ:

               إِنْعَتِقوا من المادَّة كما انْعَتَقْتُ إراديّاً عندما، في السَّابِعَةِ من عُمري، أَهْدَيْتُ فَقيرَ الحيِّ لُعبتي المُفَضَّلَةَ الَّتي شَغَلَتْني عن العَطاء؛

               وانْعَتِقوا من الغَرام كما انْعَتَقْتُ إراديّاً عندما، في السَّابِعَةَ عَشْرَةَ من عُمري، ضَحَّيْتُ بحُبِّي لِصداقَتي؛

               وانْعَتِقوا من العِلْم كما انْعَتَقْتُ إراديّاً عندما، في السَّابِعَةِ والعِشرينَ من عُمري، تَوَقَّفْتُ عن تَجميع شَهاداتٍ كادَتْ تُفْضي بي إلى الغُرور بَدَلَ التَّواضُع؛

               وانْعَتِقوا من الشُّهرة كما انْعَتَقْتُ إراديّاً عندما، في السَّابِعَةِ والثَّلاثينَ من عُمري، أَدْرَكْتُ أنَّ الشُّهرةَ إنَّما سَراب؛

               وانْعَتِقوا من البَحث في الماوَرائِيَّات كما انْعَتَقْتُ إراديّاً بعدما، في السَّابِعَةِ والأربعينَ من عُمري، أَيْقَنْتُ أنَّ عليَّ أنْ أَدَعَ أمرَ الحَقيقة للحَقيقة؛

               وانْعَتِقوا من الاجتِماعيَّات الخَبيثة كما انْعَتَقْتُ إراديّاً بعدما، في السَّابِعَةِ والخَمسينَ من عُمري، أَيْقَنْتُ زَيْفَ غالبيَّة التَّصرُّفاتِ البَشَريّة؛

               وانْعَتِقوا من النَّاس، وحاوِلوا النُّسكَ ما استَطَعْتم، إذا ما، مِثلي، في السَّابِعَةِ والسِّتِّينَ من العُمر، لَم تَجِدوا لكم صَديقاً وَفِيّاً؛

               وانْعَتِقوا من الفِكْر كما انْعَتَقْتُ إراديّاً عندما، في السَّابِعَةِ والسَّبعينَ من عُمري، تَوَقَّفْتُ عن الكِتابة، ومَزَّقْتُ كُتُبي لأنَّها مَنَعَتْني عن الطَّبيعة؛

               وانْعَتِقوا من الجَسَد ما أَمْكَنَكم، وفي مختلِف مَراحل حياتكم، حتَّى إذا مـا حانَ زَمنُ انعِتاقِكم الكُلِّيِّ منه، تَكونون، مِثلي، مُسْتَعِدِّين للانعِتاق من الحَياة الَّتي تَعْرِفون والاندِماج بِما ستَعْرِفون...

1999

من

 

المُنعَتِق

 ألنَّسْمَة

(قبلَ تحديد المكان وتدوين الزَّمان)

               ووَجَدْتُني نَسَمَةً، أَطوفُ في الكَوْن، لا حدودَ لي، لا، ولا زَمَن. وما زِلْتُ أَطوفُ حتَّى انْتَهَيْتُ في رِئَتَي رَضيع، فأَحْسَسْتُ بالحَياة أكثرَ، إذْ صِرْتُ جُزْءاً إنسانيّاً منها.

1995

 أللَّحن

(زَمَنُ زَوالٍ عن أرضٍ اسْتَعادَتْ حُرِّيَّتَها)                 

               وتَقاتَلَتْ أَقْوامٌ على أرضٍ حتَّى زالَتْ عنها، ودَرَسَتْ آثارُها، فاسْتَعادَتِ الأرضُ حرِّيَّتَها، ولَمْ يَبْقَ في الذَّاكرة سِوى لَحْنٍ حَلُمَ به عَبْقَرِيٌّ إذْ حاوَلَ التَّقريبَ بينَ المُتخاصِمين، فلا هو وُفِّقَ في وَضْع اللَّحن، ولا هو وَفَّقَ بينَ الطَّامِحين المُتطاحِنين، بَلْ رَدَّدَتِ الطَّبيعةُ، طَيْراً وشَجَراً وجَداوِلَ، لَحْنَ البَقاء، لَحْنَ الذَّكاءِ والقُوَّة.

               نَعَم، ردَّدَتْني الطَّبيعة.

1997

 ألقَصيدة

(زَمَنُ هدوءٍ على ضِفاف الـﭭُلْغا)

               وتَناقَلَتْني ذاكرةُ شَعبٍ، قَصيدةً لا شاعرَ لها، تَقول:

                بُنَيَّ،

               إنْ شَدَّكَ الحَنينُ إليَّ،

               وقَدِ انْدَمَجْتُ برَحيلي،

               عِشْ حياتَكَ، مِلأَها؛

               ومَتى انْدَمَجْتَ، بدَوركَ،

               أُقْصُدْ صَوْمَعَتي، في العَدَجُودِ، 

               تَجِدْني، هناكَ،

               حامِلاً يَراعَةً ووَرَقَةً،

               أَبْحَثُ عن جَديد

                 1997

 ألصَّخْرَة

(زَمَنُ ذِهْنٍ حالِم - صحراءُ غوبي بمُنْغُلْيا)

               وتَحَوَّلْتُ صَخْرَةً صَمَّاءَ، لَمْ يَقْرُبْني، من قَبْلُ، بَشَر. وإذِ الْتَقَى، في حُضوري، عاشِقان، ونَقَشا حُبَّهما على الحَجَر، غَدَوْتُ شاهِدَةَ حُبٍّ وتاريخاً لأَثَر.

1995

 ألضَّمير

(إقالَة في زَمَن نِضال)

               وفُرِضَ عليَّ إنسانٌ، وفُرِضْتُ عليه، فسَعَيْتُ معه جاهِداً عندَ مِثاليَّة الصِّبا، كما في نِضال الشَّباب؛ بَيْدَ أنَّه - وقَدِ اخْتارَ السِّياسةَ مَصْدَرَ رِزْقٍ، فعَلَتْ رُتَبُه، وصارَ ذا شأْنٍ - حَكَمَ، فتَجَبَّر.

               وإذْ سَأَلْتُه لِمَ يَفْعَلُ ما يَفْعَل، وأينَ غَدَتِ المِثاليَّةُ، وصارَ النِّضالُ، تَحَجَّجَ، في قَهْره الآخرينَ، بالحِفاظ على ما وَصَلَ إليه.

                وكانَ أَنْ أُقِلْت.

1997 

 

ألعائِد

(حيثُ لا تحديدَ لمكانٍ أو تدوينَ لزمان)

               وعُدْتُ إلى القُوَّة، لا مَكانَ لي أو زَمان، لا مَحْسوساً ولا مُدْرَكاً...

1997

***

 

ألشَّريف

               ... وحامَ المَوْتُ حَولَ صَوْمَعَة الشَّريف، لكنَّه، لمَّا أَدْرَكَ ما كانَتْ عليه حَياةُ الشَّيخ، أَعْرَضَ عنه. بَيدَ أنَّ الشَّريفَ... نَدَهَ المَوْتَ ليُدْرِكَه، فلَبَّى المَوْتُ النِّداءَ...

               وانْدَمَجَ الجَليلُ في الطَّبيعة، فتَفاعَلا تَفاعُلاً كَونِيّاً، تماماً ككلِّ مَن سَبَقَه ومَن سيَتْبَعُه، وغَدا، بالاندِماج الكَونيّ، جُزءاً من الحَقيقة الَّتي طالَما سَعى لإدراكها...

               وأَسْرَعَ أهلٌ وشعبٌ لإلقاء التَّحِيَّة الأخيرة على كَبير البلاد، وراحَ بعضٌ يَشْتَمُّ، في الصَّوْمَعَة، رائحةَ بَخورٍ، فيَدْعو إلى قداسة الشَّريف، وبعضٌ آخر يَشْهَدُ، وبأُمِّ العَين، فَيْضاً من الأنوار يَنْبَعِثُ من الصَّوْمَعَة نفسِها، فيَدْعو إلى الدَّعوة باسم النَّبيِّ الجَديد.

               وأمَّا بِكْرُ البِكْرِ ففَضَّ وَصيَّةَ جَدِّه، وتَلا ما جاءَ فيها على مَسمَع الحُضور:

               "حَياتي وَصيَّتي، فاقْرَأُوها واعْتَبِروا، واذْكُروا، دائماً وأبداً، أنَّ أيّاً كانَ ليسَ أفضلَ من أيٍّ منكم، تماماً كما أنَّ أيّاً منكم ليسَ أفضلَ من أيٍّ كان. وما أنا سِوى إنسانٍ عاديٍّ قد يَكونُ أوَّلَ المُنْعَتِقين والمُنْدَمِجين فِكْراً؛ ورَجائي أنْ لا أكونَ آخِرَهم، عِلماً بأنِّي مُطمَئِنٌ إلى كَوني لَسْتُ لا أوَّلَ المُنْدَمِجين فِعْلاً ولا آخِرَهُم.

               "وأمَّا يومُ رَحيلي فَلْيَكُنْ عيدَ الاندِماج في الحَقيقة والانعِتاق الكَونيّ؛ وأمَّا ضَريحي، فَلْيَكُنْ في صَوْمَعَتي نَفسِها، بَسيطاً، وليُكْتَبْ على شاهِدَتِه: هنا يَرْقُدُ إنسانٌ من الوادي الأخضر؛ وأمَّا صَوْمَعَتي، فَلْيُتْرَكْ بابُها، كالعادة، مَفتوحاً، ولتُتْرَكْ، هي، على حالها، من غَيرِ تَرميمٍ أو تَحسينٍ، حتَّى إذا شاءَتِ الطَّبيعةُ أنْ تَندثرَ بما فيها، فَلْتَنْدَثِرْ.

               "أحبَّائي، إِفْرَحوا لي، فمَهما اتَّسَعَ المَكانُ، فإنَّ اللاَّمَكانَ أوْسَع، ومَهما طالَ الزَّمانُ، فإنَّ اللاَّزَمانَ أطوَل، وأيّاً تَكُنْ قُدْرَةُ المَحسوس، فإنَّ اللاَّمَحسوسَ أقْدَر، وأيّاً يَكُنْ مَدى الوُجُود، فإنَّ اللاَّوُجُودَ أمْدَد."

أيّار 1996

 

من

 

المُندَمِج

 ألمُفَتِّش

- أَمْسَكْتُ به، ليلاً، وقد تَسَلَّلَ مُفَتِّشاً في حاوِيات القُمامة، فعَيَّرتُه، وتَرَكْتُه يَتَخَبَّطُ في الحال الَّذي هو فيها...

- أضَميراً تَعْتَبِرُ نفسَك، أيُّها النَّاقِص؟ لقد أَخَذْتُ على عاتِقي مُهمَّةَ المُراقبة الَّتي بَدَأْتَ، ورُحْتُ أَرْقُبُ مَجيءَ ذاكَ المِسكين، ليلةً بعد ليلة، فصباحاً إثرَ صباح، ثمَّ في كلِّ وَقتٍ من أوقات النَّهار، إذ يَبْدو أنَّ صاحبَنا اعْتادَ فَعْلَتَه، وبَدَلَ أنْ يَقومَ بها في خَفَرٍ كما في بداياتِه، راحَ يُمارِسُها في انتِظامٍ وامتِهان، حتَّى إذا ما وَقَعَ نَظرُه عليّ، في آخر لقاءٍ بيننا، شَعَرْتُ، أنا، بالخَجَل.

1999

***

 إنْدِماج

               إِنْتَهى الادِّعاءُ من ادِّعائه، والدِّفاعُ من دفاعه، ولَمَّا يُسْمَعْ صوتُ الدَّيَّان الَّذي كانَ عليه أنْ يَلْفِظَ بحُكْمَه.

               وانْبَثَقَ نورٌ مُظْلِمٌ من الثُّغرَة، ألمُتَنَفَّسِ والسِّجن، ودَعاني الصَّمتُ إلى التَّعَرُّف، عَبرَ الثُّغـرَة، بالدَّيَّان، وسَماعِ حُكمه؛ فاقْتَرَبْتُ من غَير أنْ أَتَحَرَّك، ونَظَرْتُ، وعَينايَ مُغْمَضَتان، فإذْ مِرآةٌ ما صُنِّعَتْ يَوماً تُعَرِّفُني إلى الدَّيَّان، وتَلْفِظُ بحُكمِ ضَميرٍ إنسانيٍّ لا يَعْرِفُ سِوى كلمة: بَراءَة؛ فأَيْقَنْتُ أنَّي في حَضرَة نَفْسي، وأنَّ المُتَناقِضاتِ قد زالَتْ، والاندِماجَ تَمّ.

               وها إنَّي أَلْتَقي الأنبياءَ والأشقياء، وأَنْدَمِجُ معهم وفيهم مع اللَّه-المَحَبَّة وفيه، فللجَميع المَصيرُ عَينُه، وإنَّما الضَّميرُ هو الكَفيلُ بالتَّوازن الإنسانيّ، لا الرَّادِعُ المُتَنَوِّعُ الأساليب. وها إنِّي أَعودُ إلى القُدرة الَّتي ما بَرِحْتُ جُزءاً منها، والعَدَجودِ الَّذي ما تَرَكْت، لا بَل غَدَوْتُ القُدرةَ-العَدَجودَ ذاتَه، إذْ لا جُزَيْئاتٍ بعدَ المَوْت.

1998

***

ألمُنْطَلِق

               مُسْتَمِرٌّ أنا في تَجوالي بعدَ تَعريجٍ، بفِعل حَنينٍ إنسانيٍّ باقٍ، على الأرض حيثُ المَحْيا السَّابِق.

               ذِكرياتي معي، من مَحْياي، وثابِتَةٌ هي بعدَ تَعريجي؛ لذا، مُسْتَمِرٌّ أنا في تَجوالي، وسائِحٌ في الزَّمَكان، دونَما حُدود.

               وإنْ أنا في المَعرِفَة المُطلَقَة والحَقيقَة الكُلِّيَّة، ومُنْطَلِقٌ إلى حيثُ الجَديدُ وما فَوقَ بَشَر اليَوم والغَد، فهَمِّي معي:

               هَمِّي الإنسانُ في حَياته، هَمِّي يَومُه وغَدُه؛ هَمِّي هَناؤه وحُرِّيَّتُه.

               وأمَّا اسْتِنتاجي فأنْ ليسَ للحَياة والمَوْت، والقُدرةِ في وَجهَيها، ألمَعرِفَة والحَقيقَة، من مَعنًى لَولا الإنسان.

               وأمَّا سؤالي فلِمَ، إذاً، سَعادتُه في الأرض استِحالة؟

               مُطمَئِنٌّ أنا إلى نهاية الإنسان، فأنا فيها، ولكن، ماذا عن حَياته؟ وهَل من سَبيلٍ لتَحسينها؟

               هَمِّي الإنسانُ، وغَيرُ قادرٍ أنا على المُساعدة. ألإنسانُ هَمِّي، وبالمَوْت فقط شَبَعُ الجائِع والجَشِع، وحِلْمُ المُتَفاني والمُتَهَوِّر، وإدراكُ العالِم والجاهِل، والمُساواةُ بينَ الجَميع.

               هَمِّي الإنسانُ... ولكنْ، في اندِماجٍ أنا، فلا زَمانَ ولا مَكان؛ والإنسانُ والكَون، حَياةً ومَوْتاً في اندِماجٍ أيضاً؛ فما هَمِّي، وهَمُّ الإنسان والكَون إذاً؟

               مُنْطَلِقٌ أنا، مُنْعَتِقٌ من التَّعبير، وَسائِلَ وأحرُفاً؛ مُنْطَلِقٌ أنا، مُنْعَتِقٌ من الفِكْر، قُيوداً ومَحدوديَّةً؛ مُنْطَلِقٌ أنـا، مُنْعَتِقٌ من الإنسانيَّة، شؤوناً وشُجوناً؛ مُنْطَلِقٌ أنا، مُنْعَتِقٌ من الدَّعوة إلى الانْعِتـاق؛ مُنْطَلِـقٌ أنا، مُنْعَتِقٌ من المَعرِفَة المُطْلَقَة والحَقيقَة الكُلِّيَّة. مُنْطَلِقٌ الإنسانُ، مُنْعَتِقٌ من إله الكَون؛ مُنْطَلِقٌ إلهُ الكَون، مُنْعَتِقٌ من الإنسان.

               مُنْطَلِقٌ أنا، مُنْطَلِقٌ الإنسانُ، مُنْطَلِقٌ إلهُ الكَون.

               طَليقٌ أنا، طَليقٌ الإنسانُ، طَليقٌ إلهُ الكَون.

1999

 من

 

الحالِم

  

ألأخير

               ... وفي لحظات حَياته الأخيرة، فَكَّرَ الحالِمُ واستَنْتَج:

               فَكَّرَ في أنَّ اللَّهَ وُلِدَ وشَبَّ وشاخَ وهَرِمَ في عُقول البَشَر، إذ ظنَّ ناسٌ ممَّن جَعَلوه بَشَراً، أنَّه إنَّما أَوْجَدَ الإنسانَ ليتلَهَّى، فتَلَهَّوْا، فيما خَشِيَه آخرون حتَّى نَسوا أنْ يَعيشوا. واسْتَنْتَجَ أنَّه، عندما فَتَّشَ البَشَرُ عن الإله، وقد رَسَموه على صورتهم، شاخَ إلهُهم، في الزَّمان والمكان، وضاعَ بين وجودٍ وعَدَم، وفاتَ البَشَرَ أنَّهم، بالمَوت، يَتَخَطَّوْنَ الزَّمانَ والمكان، والوجودَ والعَدَم، ويَنْدَمِجونَ بكلِّ ما يُفَتِّشونَ عنه، ولا يُفَتِّشون.

               وفَكَّرَ في أنَّ الإنسان، لإنَّه مُفَكِّر، يَفْقَهُ المَوت، ولذا، يَخافُه أكثر، ولأنَّه مُفَكِّرٌ ومُسْتَنْبِط، لا يَسْتَطيعُ الانعِتاقَ والاندِماجَ فـي سهولة غيره من عناصر الطَّبيعة والكَون؛ واسْتَنْتَجَ أنَّ على الإنسان أن يَسْتَخْدِمَ فِكره مجدَّداً للوصول إلى هذَين المَفهومَين.

               وفَكَّرَ في أنَّ النَّاسَ يَأْمَلون بالحَياة ما بعدَ الحَياة، ويَتَصَوَّرونها شَبيهةً بالَّتي يَحْيون، وأبَديَّة؛ واسْتَنْتَجَ أنَّه لا تُعْقَلُ حَياةٌ في الما بَعدَ كمِثل حَياة الما قَبل، وإلاَّ كانَتْ رَتيبَة. كما أنَّ الإنسان، مَتى أَدْرَكَ مصيرَ ما بعدَ الحَياة الَّتي يَعرِف، أفلا يَغْدو الإلهَ؟

               وفَكَّرَ في أنَّ النَّاس، في سَعيِهم للإيمان، يَبْتَعِدون بعضُهم عن البَعض الآخر، ويَصِلون إلى موضوعاتٍ خِلافيَّة، وصِراعات؛ واستَنْتَجَ أنَّه، إذا كانَ لا بُدَّ، حَقّاً، للإنسان أن يُؤمِن، فلِمَ لا يَقْتَرِبُ من نَفسه، فيُؤمِنَ بها، وبالإنسانيَّة، وقِيَمها الممَيَّزة؟

               وفَكَّرَ في الإيمان أيضاً، واسْتَنْتَجَ أنَّ الإيمانَ النَّظَريَّ أسهَلُ الطُّرُق لخَلاصٍ غير أكيد، فيما العملُ في سبيل الأنْسَنَة، لا بُدَّ فيه الخَلاص.

               وفَكَّرَ في أنَّ الإنسان، في أمسه، كانَ يَتَأثَّرُ بالطَّبيعة أكثرَ ممَّا كانَ يؤثِّرُ فيها، فيما راحَ، في يَومه، يؤثِّرُ فيها أكثرَ ممَّا تؤثِّرُ فيه، لا بَل إنَّه اسْتَباحَها؛ واسْتَنْتَجَ أنَّ الإنسان، لَئِنْ تَمَكَّنَ من الحِفاظ على وجوده في تاريخه القديم البَطيء، فإنَّ تاريخَه المُعاصِرَ المُتسارِعَ كانَ كَفيلاً بالقضاء عليه.

               ووَجَد، أخيراً، وفي اختِصارٍ كُلِّي، أنَّه لا يَسْتَمِرُ بَشرٌ يُفَرِّقُهم عِرقٌ ولغةٌ وأرضٌ ومُعتقَدٌ وعَقيدة، ولا يَجْمَعُهم سوى الجَشَع، وقد نَسوا الأنْسَنَة.

2000

***

 

من الأناشيد

 

           9        

               أنا الوَليدُ، أنا الفَتى،

               أنا العَجوزُ، أنا المَدى

               أنا الأبُ، أنا الضَّنا،

               أنا الأمُّ، أنا الجَنى

 

               أنا الجَمادُ، أنا الحَراك،

               أنا الزَّرعُ، أنا الحَصاد

               أنا الخَيرُ، أنا العَطاء،

               أنا الشَّرُّ، أنا الشَّقاء

 

أنا الحبُّ، أنا المحبَّة،

               أنا البَغْضاءُ، أنا الكَدَر

               أنا الأملُ، أنا الرَّجاء،

               أنا الحظُّ، أنا القَدَر

 

               أنا الفِكرُ، أنا الحَقّ،